تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد
وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً
في الدنيا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً
قال : كان بعيد البصر ، قصير النظر ، أعمى عن الحق . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا ، أن الله عز شأنه وجل ثناؤه ، عم بالخبر عنه بوصفه نفسه بالبصر ، ولم يخصص منه معنى دون معنى ، فذلك على ما عمه . فإذا كان ذلك كذلك ، فتأويل الآية ، قال : رب لم حشرتني أعمى عن حجتي ورؤية الأشياء ، وقد كنت في الدنيا ذا بصر بذلك كله . فإن قال قائل : وكيف قال هذا لربه :
لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى
مع معاينته عظيم سلطانه ، أجهل في ذلك الموقف أن يكون لله أن يفعل به ما شاء ، أم ما وجه ذلك ؟ قيل : إن ذلك منه مسألة لربه يعرفه الحرم الذي استحق به ذلك ، إذ كان قد جهله ، وظن أن لا حرم له ، استحق ذلك به منه ، فقال : رب لأي ذنب ولأي جرم حشرتني أعمى ، وقد كنت من قبل في الدنيا بصيرا وأنت لا تعاقب أحدا إلا بدون ما يستحق منك من العقاب . وقوله :
قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها
يقول تعالى ذكره ، قال الله حينئذ للقائل له :
لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً
فعلت ذلك بك ، فحشرتك أعمى كما أتتك آياتي ، وهي حججه وأدلته وبيانه الذي بينه في كتابه ، فنسيتها : يقول : فتركتها وأعرضت عنها ، ولم تؤمن بها ، ولم تعمل . وعني بقوله
كَذلِكَ أَتَتْكَ
هكذا أتتك . وقوله :
وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
يقول : فكما نسيت آياتنا في الدنيا ، فتركتها وأعرضت عنها ، فكذلك اليوم ننساك ، فنتركك في النار . وقد اختلف أهل التأويل في معنى قوله
وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
فقال بعضهم بمثل الذي قلنا في ذلك . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي ، قال ، ثنا محمد بن عبيد ، قال : ثنا سفيان الثوري ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي صالح ، في قوله :
وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
قال : في النار . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها
قال : فتركها
وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
وكذلك اليوم تترك في النار . وروي عن قتادة في ذلك ما . حدثني بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
قال : نسي من الخير ، ولم ينس من الشر . وهذا القول الذي قاله قتادة قريب المعنى مما قاله أبو صالح ومجاهد ، لأن تركه إياهم في النار أعظم الشر لهم . القول في تأويل قوله تعالى :
وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى
يقول تعالى ذكره : وهكذا نجزي : أي نثيب من أسرف فعصي ربه ، ولم يؤمن برسله وكتبه ، فنجعل له معيشة ضنكا في البرزخ كما قد بينا قبل .
وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى
يقول جل ثناؤه : ولعذاب في الآخرة أشد لهم مما وعدتهم في القبر من المعيشة الضنك
وَأَبْقى
يقول : وأدوم منها ، لأنه إلى غير أمد ولا نهاية . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : أفلم يهد لقومك المشركين بالله ، ومعنى يهد : يبين . يقول : أفلم يبين لهم كثرة ما أهلكنا قبلهم من الأمم التي سلكت قبلها التي يمشون في مساكنهم ودورهم ، ويرون آثار عقوباتنا التي أحللناها بهم سوء مغبة ما هم عليه مقيمون من الكفر بآياتنا ، ويتعظوا بهم ، ويعتبروا ، وينيبوا إلى الإذعان ، ويؤمنوا بالله ورسوله ، خوفا أن يصيبهم بكفرهم بالله مثل ما أصابهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ
لأن قريشا كانت تتجر