حتى ترضى عطيته وثوابه إياك ، وكذلك تأوله أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
لَعَلَّكَ تَرْضى
قال : الثواب ، ترضى بما يثيبك الله على ذلك . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج
لَعَلَّكَ تَرْضى
قال :
بما تعطى . وكأن الذين قرءوا ذلك بالضم ، وجهوا معنى الكلام إلى لعل الله يرضيك من عبادتك إياه ، وطاعتك له . والصواب من القول في ذلك عندي : أنهما قراءتان ، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء ، وهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار ، متفقتا المعنى ، غير مختلفتيه ؛ وذلك أن الله تعالى ذكره إذا أرضاه ، فلا شك أنه يرضى ، وأنه إذا رضي فقد أرضاه الله ، فكل واحدة منهما تدل على معنى الأخرى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ولا تنظر إلى ما جعلنا لضرباء هؤلاء المعرضين عن آيات ربهم وأشكالهم ، متعة في حياتهم الدنيا ، يتمتعون بها ، من زهرة عاجل الدنيا ونضرتها
لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ
يقول :
لنختبرهم فيما متعناهم به من ذلك ، ونبتليهم ، فإن ذلك فان زائل ، وغرور وخدع تضمحل
وَرِزْقُ رَبِّكَ
الذي وعدك أن يرزقكه في الآخرة حتى ترضى ، وهو ثوابه إياه
خَيْرٌ
لك مما متعناهم به من زهرة الحياة الدنيا
وَأَبْقى
يقول : وأدوم ، لأنه لا انقطاع له ولا نفاذ . وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من أجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى يهودي يستسلف منه طعاما ، فأبى أن يسلفه إلا برهن . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن موسى بن عبيدة ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن أبي رافع ، قال : أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهودي يستسلفه ، فأبى أن يعطيه إلا برهن ، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله :
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا
. حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا محمد بن كثير ، عن عبد الله بن واقد ، عن يعقوب بن زيد ، عن أبي رافع ، قال : نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف : فأرسلني إلى يهودي بالمدينة يستسلفه ، فأتيته ، فقال : لا أسلفه إلا برهن ، فأخبرته بذلك ، فقال : " إني لأمين في أهل السماء وفي أهل الأرض ، فاحمل درعي إليه " فنزلت :
وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ
. وقوله :
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا
إلى قوله :
وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى
. ويعني بقوله :
أَزْواجاً مِنْهُمْ
رجالا منهم أشكالا ، وبزهرة الحياة الدنيا :
زينة الحياة الدنيا . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا
أي زينة الحياة الدنيا . ونصب زهرة الحياة الدنيا على الخروج من الهاء التي في قوله به من
مَتَّعْنا بِهِ
كما يقال : مررت به الشريف الكريم ، فنصب الشريف الكريم على فعل مررت ، وكذلك قوله :
إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا
تنصب على الفعل بمعنى : متعناهم به زهرة في الحياة الدنيا وزينة لهم فيها . وذكر الفراء أن بعض بني فقعس أنشده :
أبعد الذي بالسفح سفح كواكب * رهينة رمس من تراب وجندل
فنصب رهينة على الفعل من قوله : " أبعد الذي بالسفح " ، وهذا لا شك أنه أضعف في العمل نصبا من قوله :
مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ
لأن العامل في الاسم وهو رهينة ، حرف خافض لا ناصب . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ
قال : لنبتليهم فيه
وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى
مما متعنا به هؤلاء من هذه الدنيا .
القول في تأويل قوله تعالى :
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ