تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
ونسوق أهل الكفر بالله يومئذ إلى موقف القيامة زرقا ، فقيل : عنى بالزرق في هذا الموضع : ما يظهر في أعينهم من شدة العطش الذي يكون بهم عند الحشر لرأي العين من الزرق . وقيل : أريد بذلك أنهم يحشرون عميا ، كالذي قال الله
وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً
وقوله :
يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً
يقول تعالى ذكره : يتهامسون بينهم ، ويسر بعضهم إلى بعض : إن لبثتم في الدنيا ، يعني أنهم يقول بعضهم لبعض : ما لبثتم في الدنيا إلا عشرا . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ
يقول : يتسارون بينهم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ
أي يتسارون بينهم
إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً
. القول في تأويل قوله تعالى :
نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً
يقول تعالى ذكره : نحن أعلم منهم عند إسرارهم وتخافتهم بينهم بقيلهم
إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً
بما يقولون لا يخفى علينا مما يتساررونه بينهم شيء
إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً
يقول تعالى ذكره حين يقول أوفاهم عقلا ، وأعلمهم فيهم : إن لبثتم في الدنيا إلا يوما . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن جعفر ، عن شعبة ، في قوله :
إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً
يقول : أعلمهم في أنفسهم إن لبستم إلا يوما . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن يمان عن أشعث عن جعفر ، عن سعيد ، في قوله
أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً
أوفاهم عقلا . وإنما عنى جل ثناؤه بالخبر عن قيلهم هذا القول يومئذ ، إعلام عباده أن أهل الكفر به ينسون من عظيم ما يعاينون من هول يوم القيامة ، وشدة جزعهم من عظيم ما يردون عليه ما كانوا فيه في الدنيا من النعيم واللذات ، ومبلغ ما عاشوا فيها من الأزمان ، حتى يخيل إلى أعقلهم فيهم ، وأذكرهم وأفهمهم أنهم لم يعيشوا فيها إلا يوما . القول في تأويل قوله تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُها
يقول تعالى ذكره : ويسألك يا محمد قومك عن الجبال ، فقل لهم : يذريها ربي تذرية ، ويطيرها بقلعها واستئصالها من أصولها ، ودك بعضها على بعض ، وتصييره إياها هباء منبثا .
فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً
يقول تعالى ذكره : فيدع أماكنها من الأرض إذا نسفها نسفا ، قاعا : يعني : أرضا ملساء ، صفصفا : يعني مستويا لا نبات فيه ، ولا نشز ، ولا ارتفاع . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
قاعاً صَفْصَفاً
يقول : مستويا لا نبات فيه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله
فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً
قال : مستويا ، الصفصف : المستوي . حدثني يونس ، قال أخبرنا عبد الله بن يوسف ، قال : ثنا عبد الله بن لهيعة ، قال : ثنا أبو الأسود ، عن عروة ، قال : كنا قعودا عند عبد الملك حين قال كعب : إن الصخرة موضع قدم الرحمن يوم القيامة ، فقال : كذب كعب ، إنما الصخرة جبل من الجبال ، إن الله يقول :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً
فسكت عبد الملك . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
صَفْصَفاً
قال : مستويا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . قال أبو جعفر : وكان بعض أهل العلم بلغات العرب من أهل الكوفة يقول : القاع : مستنقع الماء ، والصفصف : الذي لا نبات فيه . وقوله :
لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً
يقول : لا ترى في الأرض عوجا ولا أمتا . واختلف أهل التأويل في معنى العوج والأمت ، فقال بعضهم : عنى بالعوج في هذا