قال أبو جعفر : والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى ، لأنه لا شك أن الله موف وعده لخلقه بحشرهم لموقف الحساب ، وأن الخلق موافون ذلك اليوم ، فلا الله مخلفهم ذلك ، ولا هم مخلفوه بالتخلف عنه ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك . وقوله :
وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً
يقول : وانظر إلى معبودك الذي ظلت عليه مقيما تعبده ، كما : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً
الذي أقمت عليه . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قال : فقال له موسى :
انْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً
يقول : الذي أقمت عليه . وللعرب في ظلت : لغتان : الفتح في الظاء ، وبها قرأ قراء الأمصار ، والكسر فيها ؛ وكأن الذين كسروا نقلوا حركة اللام التي هي عين الفعل من ظللت إليها ، ومن فتحها أقر حركتها التي كانت لها قبل أن يحذف منها شيء ، والعرب تفعل في الحروف التي فيها التضعيف ذاك ، فيقولون في مسست مست ومست وفي هممت بذلك : همت به ، وهل أحست فلانا وأحسسته ، كما قال الشاعر :
خلا أن العتاق من المطايا * أحسن به فهن إليه شوس
وقوله :
لَنُحَرِّقَنَّهُ
اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق
لَنُحَرِّقَنَّهُ
بضم النون وتشديد الراء ، بمعنى لنحرقنه بالنار قطعة قطعة . وروي عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك :
" لنحرقنه " بضم النون ، وتخفيف الراء ، بمعنى : لنحرقنه بالنار إحراقة واحدة ، وقرأه أبو جعفر القارئ :
" لنحرقنه " بفتح النون وضم الراء بمعنى : لنبردنه بالمبارد من حرقته أحرقه وأحرقه ، كما قال الشاعر :
بذي فرقين يوم بنو حبيب * نيوبهم علينا يحرقونا
والصواب في ذلك عندنا من القراءة
لَنُحَرِّقَنَّهُ
بضم النون وتشديد الراء ، من الإحراق بالنار ، كما : حدثني علي قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
لَنُحَرِّقَنَّهُ
يقول : بالنار . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس
لَنُحَرِّقَنَّهُ
فحرقه ثم ذراه في اليم . وإنما اخترت هذه القراءة لإجمال الحجة من القراء عليها .
وأما أبو جعفر ، فإني أحسبه ذهب إلى ما : حدثنا به موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال :
ثنا أسباط عن السدي :
وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً
ثم أخذه فذبحه ، ثم حرقه بالمبرد ، ثم ذراه في اليم ، فلم يبق بحر يومئذ إلا وقع فيه شيء منه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً
قال : وفي بعض القراءة : لنذبحنه ثم لنحرقنه ، ثم لننسفنه في اليم نسفا . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في حرف ابن مسعود : " وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنذبحنه ثم لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا " . وقوله :
ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً
يقول : ثم لنذرينه في البحر تذرية ؛ يقال منه : نسف فلان الطعام بالمنسف : إذا زراه فطير عنه قشوره وترابه أو الريح . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل : ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً
يقول : لنذرينه في البحر . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قال : ذراه في اليم ، واليم : البحر . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : ذراه في اليم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة