تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
تحت حافر فرس جبرائيل ، نبذه السامري على حلية بني إسرائيل ، فانسبك عجلا جسدا له خوار ، حفيف الريح فيه فهو خواره ، والعجل : ولد البقرة . واختلف القراء في قراءة هذين الحرفين ، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة
بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ
بالياء ، بمعنى : قال السامري : بصرت بما لم يبصر به بنو إسرائيل . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة : " بصرت بما لم تبصروا به " بالتاء على وجه المخاطبة لموسى صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، بمعنى : قال السامري لموسى : بصرت بما لم تبصر به أنت وأصحابك . والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان ، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء مع صحة معنى كل واحدة منهما ، وذلك أنه جائز أن يكون السامري رأى جبرائيل ، فكان عنده ما كان بأن حدثته نفسه بذلك أو بغير ذلك من الأسباب ، أن تراب حافر فرسه الذي كان عليه يصلح لما حدث عنه حين نبذه في جوف العجل ، ولم يكن علم ذلك عند موسى ، ولا عند أصحابه من بني إسرائيل ، فلذلك قال لموسى : " بصرت بما لم تبصروا به " أي علمت بما لم تعلموا به . وأما إذا قرئ
بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ
بالياء ، فلا مؤنة فيه ، لأنه معلوم أن بني إسرائيل لم يعلموا ما الذي يصلح له ذلك التراب . وأما قوله :
فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ
فإن قراء الأمصار على قراءته بالضاد ، بمعنى : فأخذت بكفي ترابا من تراب أثر فرس الرسول . وروي عن الحسن البصري وقتادة ما : حدثني أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا هشيم ، عن عباد بن عوف ، عن الحسن أنه قرأها : " فقبصت قبصة " بالصاد . وحدثني أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا هشيم ، عن عباد ، عن قتادة مثل ذلك بالصاد . بمعنى : أخذت بأصابعي من تراب أثر فرس الرسول ، والقبضة عند العرب : الأخذ بالكف كلها ، والقبصة : الأخذ بأطراف الأصابع . وقوله :
فَنَبَذْتُها
يقول : فألقيتها
وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي
يقول : وكما فعلت من إلقائي القبضة التي قبضت من أثر الفرس على الحلية التي أوقد عليها حتى انسبكت فصارت عجلا جسدا له خوار .
سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي
يقول : زينت لي نفسي أنه يكون ذلك كذلك ، كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد :
وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي
قال : كذلك حدثتني نفسي . القول في تأويل قوله تعالى :
قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً . . .
إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ
يقول تعالى ذكره : قال موسى للسامري : فاذهب فإن لك في أيام حياتك أن تقول : لا مساس : أي لا أمس ، ولا أمس . وذكر أن موسى أمر بني إسرائيل أن لا يؤاكلوه ، ولا يخالطوه ، ولا يبايعوه ، فلذلك قال له : إن لك في الحياة أن تقول لا مساس ، فبقى ذلك فيما ذكر في قبيلته ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : كان والله السامري عظيما من عظماء بني إسرائيل ، من قبيلة يقال لها سامرة ، ولكن عدو الله نافق بعد ما قطع البحر مع بني إسرائيل . قوله :
فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ
فبقاياهم اليوم يقولون لا مساس . وقوله :
وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ
اختلفت القراء في قراءته ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والكوفة
لَنْ تُخْلَفَهُ
بضم التاء وفتح اللام بمعنى : وإن لك موعدا لعذابك وعقوبتك على ما فعلت من إضلالك قومي حتى عبدوا العجل من دون الله ، لن يخلفكه الله ، ولكن يذيقكه . وقرأ ذلك الحسن وقتادة وأبو نهيك : " وإن لك موعدا لن تخلفه " بضم التاء وكسر اللام ، بمعنى : وإن لك موعدا لن تخلفه أنت يا سامري ، وتأولوه بمعنى : لن تغيب عنه . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا عبد المؤمن ، قال : سمعت أبا نهيك يقرأ " لن تخلفه " أنت يقول : لن تغيب عنه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ
يقول : لن تغيب عنه .
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 152 | محمد بن جرير الطبري