إسرائيل إن الغنيمة لا تحل لكم ، وإن حلي القبط إنما هو غنيمة ، فاجمعوها جميعا ، فاحفروا لها حفرة فادفنوها ، فإن جاء موسى فأحلها أخذتموها ، وإلا كان شيئا لم تأكلوه . فجمعوا ذلك الحلي في تلك الحفرة ، فجاء السامري بتلك القبضة فقذفها فأخرج الله من الحلي عجلا جسدا له خوار ، وعدت بنو إسرائيل موعد موسى ، فعدوا الليلة يوما ، واليوم يوما ؛ فلما كان لعشرين خرج لهم العجل ؛ فلما رأوه قال لهم السامري :
هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ
فعكفوا عليه يعبدونه ، وكان يخور ويمشي
فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ
ذلك حين قال لهم هاوون : احفروا لهذا الحلي حفرة واطرحوه فيها ، فطرحوه ، فقذف السامري تربته . وقوله :
فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى
يقول : فقال قوم موسى الذين عبدوا العجل : هذا معبودكم ومعبود موسى . وقوله
فَنَسِيَ
يقول : فضل وترك . ثم اختلف أهل التأويل في قوله
فَنَسِيَ
من قائله ومن الذي وصف به وما معناه ، فقال بعضهم : هذا من الله خبر عن السامري ، والسامري هو الموصوف به ، وقالوا : معناه : أنه ترك الدين الذي بعث الله به موسى وهو الإسلام . ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثني محمد بن إسحاق ، عن حكيم بن جبير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : يقول الله :
فَنَسِيَ
أي ترك ما كان عليه من الإسلام ، يعني السامري . وقال آخرون : بل هذا خبر من الله عن السامري ، أنه قال لبني إسرائيل ، وأنه وصف موسى بأنه ذهب يطلب ربه ، فأضل موضعه ، وهو هذا العجل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبى ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس
فَقَذَفْناها
يعني زينة القوم حين أمرنا السامري لما قبض قبضة من أثر جبرائيل عليه السلام ، فألقى القبضة على حليهم فصار عجلا جسدا له خوار
فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى
الذي انطلق يطلبه
فَنَسِيَ
يعني : نسي موسى ، ضل عنه فلم يهتد له . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
فَنَسِيَ
يقول : طلب هذا موسى فخالفه الطريق . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة
فَنَسِيَ
يقول : قال السامري : موسى نسي ربه عندكم . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
فَنَسِيَ
موسى ، قال : هم يقولونه : أخطأ الرب العجل . حدثنا القاسم ، قال :
ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد
فَنَسِيَ
قال : نسي موسى ، أخطأ الرب العجل ، قوم موسى يقولونه . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي
فَنَسِيَ
يقول : ترك موسى إلهه هاهنا وذهب يطلبه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ
قال : يقول : فنسي حيث وعده ربه هاهنا ، ولكنه نسي . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ
يقول : نسي موسى ربه فأخطأه ، وهذا العجل إله موسى . قال أبو جعفر :
والذي هو أولى بتأويل ذلك القول الذي ذكرناه عن هؤلاء ، وهو أن ذلك خبر من الله عز ذكره عن السامري أنه وصف موسى بأنه نسي ربه ، وأنه ربه الذي ذهب يريده هو العجل الذي أخرجه السامري ، لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه ، وأنه عقيب ذكر موسى ، وهو أن يكون خبرا من السامري عنه بذلك أشبه من غيره . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً . . .
الرَّحْمنُ
يقول تعالى ذكره موبخا عبدة العجل ، والقائلين له
هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ
وعابهم بذلك ، وسفه أحلامهم