فَكَذَّبَ وَأَبى
يقول تعالى ذكره : ولقد أرينا فرعون آياتنا ، يعني أدلتنا وحججنا على حقيقة ما أرسلنا به رسولينا ، موسى وهارون إليه كلها
فَكَذَّبَ وَأَبى
أن يقبل من موسى وهارون ما جاءا به من عند ربهما من الحق استكبارا وعتوا . القول في تأويل قوله تعالى :
قالَ أَ جِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى . . .
نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً
يقول تعالى ذكره : قال فرعون لما أريناه آياتنا كلها لرسولنا موسى : أجئتنا يا موس لتخرجنا من منازلنا ودورنا بسحرك هذا الذي جئتنا به
فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً
لا نتعداه ، لنجيء بسحر مثل الذي جئت به ، فننظر أينا يغلب صاحبه ، لا نخلف ذلك الموعد
نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً
يقول : بمكان عدل بيننا وبينك ونصف . وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقراته عامة قراء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين : " مكانا سوى " بكسر السين ، وقرأته عامة قراء الكوفة :
مَكاناً سُوىً
بضمها . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا ، أنهما لغتان ، أعني الكسر والضم في السين من " سوى " مشهورتان في العرب . وقد قرأت بكل واحدة منهما علماء من القراء ، مع اتفاق معنييهما ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وللعرب في ذلك إذا كان بمعنى العدل والنصب لغة هي أشهر من الكسر والضم وهو الفتح ، كما قال جل ثناؤه
تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ
وإذا فتح السين منه مد . وإذا كسرت أو ضمت قصر ، كما قال الشاعر :
فإن أبانا كان حل ببلدة * سوى بين قيس قيس عيلان والفزر
ونظير ذلك من الأسماء : طوى ، وطوي ؛ وثنى وثني ؛ وعدى ، وعدي . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
مَكاناً سُوىً
قال : منصفا بينهم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، بنحوه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
مَكاناً سُوىً
أي عادلا بيننا وبينك . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، قوله :
مَكاناً سُوىً
قال : نصفا بيننا وبينك . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله :
فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً
قال : يقول : عدلا .
وكان ابن زيد يقول في ذلك ما : حدثني به يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
مَكاناً سُوىً
قال : مكانا مستويا يتبين للناس ما فيه ، لا يكون صوب ولا شيء فيغيب بعض ذلك عن بعض مستو حين يرى . القول في تأويل قوله تعالى :
قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى
يقول تعالى ذكره : قال موسى لفرعون ، حين سأله أن يجعل بينه وبينه موعدا للاجتماع : موعدكم للاجتماع
يَوْمُ الزِّينَةِ
يعني يوم عيد كان لهم ، أو سوق كانوا يتزينون فيه
وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ
يقول : وأن يساق الناس من كل فج وناحية
ضُحًى
فذلك موعد ما بيني وبينك للاجتماع . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ،