تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
أو شاته أو ناقته يضله بالألف . وقد بينا معنى النسيان فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته . القول في تأويل قوله تعالى :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً . . .
مِنَ السَّماءِ ماءً
اختلف أهل التأويل في قراءة قوله
مَهْداً
فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة : " الذي جعل لكم الأرض مهادا " بكسر الميم من المهاد وإلحاق ألف فيه بعد الهاء ، وكذلك عملهم ذلك في كل القرآن . وزعم بعض من اختار قراءة ذلك كذلك ، أنه إنما اختاره من أجل أن المهاد : اسم الموضع ، وأن المهد الفعل ؛ قال : وهو مثل الفرش والفراش . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين :
مَهْداً
بمعنى : الذي مهد لكم الأرض مهدا . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار مشهورتان ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب فيها . وقوله :
وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا
يقول : وأنهج لكم في الأرض طرقا . والهاء في قوله فيها : من ذكر الأرض ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا
أي طرقا . وقوله :
وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
يقول : وأنزل من السماء مطرا
فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى
وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن إنعامه على خلقه بما يحدث لهم من الغيث الذي ينزله من سمائه إلى أرضه ، بعد تناهي خبره عن جواب موسى فرعون عما سأله عنه وثنائه على ربه بما هو أهله . يقول جل ثناؤه : فأخرجنا نحن أيها الناس بما ننزل من السماء من ماء أزواجا ، يعني ألوانا من نبات شتى ، يعني مختلفة الطعوم ، والأراييح والمنظر . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
مِنْ نَباتٍ شَتَّى
يقول : مختلف . القول في تأويل قوله تعالى :
كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى
يقول تعالى ذكره : كلوا أيها الناس من طيب ما أخرجنا لكم بالغيث الذي أنزلناه من السماء إلى الأرض من ثمار ذلك وطعامه ، وما هو من أقواتكم وغذائكم ، وارعوا فيما هو أرزاق بهائمكم منه وأقواتها أنعامكم .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ
يقول : إن فيما وصفت في هذه الآية من قدرة ربكم ، وعظيم سلطانه لآيات : يعني لدلالات وعلامات تدل على وحدانية ربكم ، وأن لا إله لكم غيره
لِأُولِي النُّهى
يعني : أهل الحجى والعقول . والنهى : جمع نهية ، كما الكشي : جمع كشية . قال أبو جعفر : والكشي : شحمة تكون في جوف الضب ، شبيهة بالسرة ؛ وخص تعالى ذكره بأن ذلك آيات لأولي النهى ، لأنهم أهل التفكر والاعتبار ، وأهل التدبر والاتعاظ . القول في تأويل قوله تعالى :
مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى
يقول تعالى ذكره : من الأرض خلقناكم أيها الناس ، فأنشأناكم أجساما ناطقة .
وَفِيها نُعِيدُكُمْ
يقول : وفي الأرض نعيدكم بعد مماتكم ، فنصيركم ترابا ، كما كنتم قبل إنشائنا كم بشرا سويا .
وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ
يقول : ومن الأرض نخرجكم كما كنتم قبل مماتكم أحياء ، فننشئكم منها ، كما أنشأناكم أول مرة . وقوله :
تارَةً أُخْرى
يقول : مرة أخرى ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى
يقول : مرة أخرى . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
تارَةً أُخْرى
قال : مرة أخرى الخلق الآخر . قال أبو جعفر : فتأويل الكلام إذن : من الأرض أخرجناكم ولم تكونوا شيئا خلقا سويا ، وسنخرجكم منها بعد مماتكم مرة أخرى ، كما أخرجناكم منها أول مرة . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها