في هذا الكلام متروك ، ترك ذكره استغناء بدلالة ما ذكر عليه عنه ، وهو قوله :
فَأْتِياهُ
فقالا له ما أمرهما به ربهما وأبلغاه رسالته ، فقال فرعون لهما
فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى
فخاطب موسى وحده بقوله : يا موسى ، وقد وجه الكلام قبل ذلك إلى موسى وأخيه . وإنما فعل ذلك كذلك ، لأن المجاوبة إنما تكون من الواحد وإن كان الخطاب بالجماعة لا من الجميع ، وذلك نظير قوله :
نَسِيا حُوتَهُما
وكان الذي يحمل الحوت واحد ، وهو فتى موسى ، يدل على ذلك قوله :
فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ
. وقوله :
قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
يقول تعالى ذكره : قال موسى له مجيبا :
ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ، يعني : نظير خلقه في الصورة والهيئة كالذكور من بني آدم ، أعطاهم نظير خلقهم من الإناث أزواجا ، وكالذكور من البهائم ، أعطاها نظير خلقها ، وفي صورتها وهيئتها من الإناث أزواجا ، فلم يعط الإنسان خلاف خلقه ، فيزوجه بالإناث من البهائم ، ولا البهائم بالإناث من الإنس ، ثم هداهم للمأتي الذي منه النسل والنماء كيف يأتيه ، ولسائر منافعه من المطاعم والمشارب ، وغير ذلك . وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : بنحو الذي قلنا فيه . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
يقول : خلق لكل شيء زوجة ، ثم هداه لمنكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه ومولده . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
يقول : أعطى كل دابة خلقها زوجا ، ثم هدى للنكاح . وقال آخرون :
معنى قوله
ثُمَّ هَدى
أنه هداهم إلى الألفة والاجتماع والمناكحة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
يعني : هدى بعضهم إلى بعض ، ألف بين قلوبهم وهداهم للتزويج أن يزوج بعضهم بعضا . وقال آخرون : معنى ذلك : أعطى كل شيء صورته ، وهي خلقه الذي خلقه به ، ثم هداه لما يصلحه من الاحتيال للغذاء والمعاش . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب وأبو السائب ، قالا : ثنا ابن إدريس ، عن ليث ، عن مجاهد ، في قوله :
أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
قال : أعطى كل شيء صورته ثم هدى كل شيء إلى معيشته . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله :
أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
قال : سوى خلق كل دابة ، ثم هداها لما يصلحها ، فعلمها إياه .
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله :
رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
قال : سوى خلق كل دابة ثم هداها لما يصلحها وعلمها إياه ، ولم يجعل