تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
الناس في خلق البهائم ، ولا خلق البهائم في خلق الناس ، ولكن خلق كل شيء فقدره تقديرا . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن حميد عن مجاهد
أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
قال : هداه إلى حيلته ومعيشته . وقال آخرون : بل معنى ذلك : أعطى كل شيء ما يصلحه ، ثم هداه له . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، قوله :
أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ
قال : أعطى كل شيء ما يصلحه . ثم هداه له . قال أبو جعفر : وإنما اخترنا القول الذي اخترنا في تأويل ذلك ، لأنه جل ثناؤه أخبر أنه أعطى كل شيء خلقه ، ولا يعطي المعطي نفسه ، بل إنما يعطي ما هو غيره ، لأن العطية تقتضي المعطي المعطى والعطية ، ولا تكون العطية هي المعطى ، وإذا لم تكن هي هو ، وكانت غيره ، وكانت صورة كل خلق بعض أجزائه ، كان معلوما أنه إذا قيل : أعطى الإنسان صورته ، إنما يعني أنه أعطى بعض المعاني التي به مع غيره دعي إنسانا ، فكأن قائله قال : أعطى كل خلق نفسه ، وليس ذلك إذا وجه إليه الكلام بالمعروف من معاني العطية ، وإن كان قد يحتمله الكلام . فإذا كان ذلك كذلك ، فالأصوب من معانيه أن يكون موجها إلى أن كل شيء أعطاه ربه مثل خلقه ، فزوجه به ، ثم هداه لما بينا ، ثم ترك ذكر مثل ، وقيل
أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ
كما يقال : عبد الله مثل الأسد ، ثم يحذف مثل ، فيقول : عبد الله الأسد . القول في تأويل قوله تعالى :
قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى . . .
لا يَنْسى
يقول تعالى ذكره : قال فرعون لموسى ، إذ وصف موسى ربه جل جلاله بما وصفه به من عظيم السلطان ، وكثرة الإنعام على خلقه والإفضال : فما شأن الأمم الخالية من قبلنا لم تقر بما تقول ، ولم تصدق بما تدعو إليه ، ولم تخلص له العبادة ، ولكنها عبدت الآلهة والأوثان من دونه ، إن كان الأمر على ما تصف من أن الأشياء كلها خلقه ، وأنها في نعمه تتقلب ، وفي مننه تتصرف ؟ فأجابه موسى فقال : علم هذه الأمم التي مضت من قبلنا فيما فعلت من ذلك ، عند ربي في كتاب : يعني في أم الكتاب ، لا علم لي بأمرها ، وما كان سبب ضلال من ضل منهم فذهب عن دين الله
لا يَضِلُّ رَبِّي
يقول : لا يخطئ ربي في تدبيره وأفعاله ، فإن كان عذب تلك القرون في عاجل ، وعجل هلاكها ، فالصواب ما فعل ، وإن كان أخر عقابها إلى القيامة ، فالحق ما فعل ، هو أعلم بما يفعل ، لا يخطئ ربي
وَلا يَنْسى
فيترك فعل ما فعله حكمة وصواب . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى
يقول : لا يخطئ ربي ولا ينسى . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى
يقول فما أعمى القرون الأولى ، فوكلها نبي الله موكلا فقال :
عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي
الآية يقول : أي أعمارها وآجالها . وقال آخرون : معنى قوله
لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى
واحد . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى
قال : هما شيء واحد . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . والعرب تقول : ضل فلان منزله : إذا أخطأه ، يضله بغير ألف ، وكذلك ذلك في كل ما كان من شيء ثابت لا يبرح ، فأخطأه مريده ، فإنها تقول : أضله ، فأما إذا ضاع منه ما يزول بنفسه من دابة وناقة وما أشبه ذلك من الحيوان الذي ينفلت منه فيذهب ، فإنها تقول : أضل فلان بعيره
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 132 | محمد بن جرير الطبري