تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
أمر بذبحه لم ألمكم . فلما أتت به فرعون قالت :
قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ
قال فرعون : يكون لك ، وأما أنا فلا حاجة لي فيه . فقال : والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت به ، لهداه الله به كما هدى به امرأته ، ولكن الله حرمه ذلك . فأرسلت إلى من حولها من كل أنثى لها لبن ، لتختار له ظئرا ، فجعل كلما أخذته امرأة منهم لترضعه لم يقبل ثديها ، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت ، فحزنها ذلك ، فأمرت به فأخرج إلى السوق مجمع الناس ترجو أن تصيب له ظئرا يأخذ منها ، فلم يقبل من أحد . وأصبحت أم موسى ، فقالت لأخته : قصيه واطلبيه ، هل تسمعين له ذكرا ، أحي ابني ، أو قد أكلته دواب البحر وحيتانه ؟ ونسيت الذي كان الله وعدها ، فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون ، فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤورات : أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ، فأخذوها وقالوا : وما يدريك ما نصحهم له ؟ هل يعرفونه ؟ حتى شكوا في ذلك ، وذلك من الفتون يا ابن جبير ؛ فقالت : نصحهم له وشفقتهم عليه ، رغبتهم في ظؤورة الملك ، ورجاء منفعته ، فتركوها ؛ فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر ، فجاءت ؛ فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها حتى امتلأ جنباه ، فانطلق البشراء إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئرا ، فأرسلت إليها ، فأتيت بها وبه ؛ فلما رأت ما يصنع بها قالت : امكثي عندي حتى ترضعي ابني هذا فإني لم أحب حبه شيئا قط ؛ قال : فقالت : لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي ، فيضيع ، فإن طابت نفسك أن تعطينيه ، فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لاآلوه خيرا فعلت ، وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها ، فتعاسرت على امرأة فرعون ، وأيقنت أن الله تبارك وتعالى منجز وعده ، فرجعت بابنها إلى بيتها من يومها ، فأنبته الله نباتا حسنا ، وحفظه لما قضى فيه ، فلم يزل بنو إسرائيل وهم مجتمعون في ناحية المدينة يمتنعون به من الظلم والسخرة التي كانت فيهم . فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى : أزيريني ابني . فوعدتها يوما تزيرها إياه فيه ، فقالت لخواصها وظؤورتها وقهارمتها : لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني بهدية وكرامة ليرى ذلك ، وأنا باعثة أمينة تحصي كل ما يصنع كل إنسان منكم ؛ فلم تزل الهدية والكرامة والتحف تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون . فلما دخل عليها نحلته وأكرمته ، وفرحت به ، وأعجبها ما رأت من حسن أثرها عليه ، وقالت : انطلقن به إلى فرعون ، فلينحله ، وليكرمه . فلما دخلوا به عليه جعلته في حجره ، فتناول موسى لحية فرعون حتى مدها ، فقال عدو من أعداء الله : ألا ترى ما وعد الله إبراهيم أنه سيصرعك ويعلوك ، فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه وذلك من الفتون يا ابن جبير ، بعد كل بلاء ابتلي به وأريد به . فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون ، فقالت : ما بدا لك في هذا الصبي الذي قد وهبته لي ؟ قال : ألا ترين يزعم أنه سيصرعني ويعلوني ، فقالت : اجعل بيني وبينك أمرا تعرف فيه الحق ، ائت بجمرتين ولؤلؤتين ،
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 126 | محمد بن جرير الطبري