تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
فقربهن إليه ، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين علمت أنه يعقل ؛ وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين ، فاعلم أن أحد الا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل ، فقرب ذلك إليه ، فتناول الجمرتين ، فنزعوهما منه مخافة أن تحرقا يده ، فقالت المرأة : ألا ترى ؟ فصرفه الله عنه بعد ما قد هم به ، وكان الله بالغا فيه أمره . فلما بلغ أشده ، وكان من الرجال ، لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة ، حتى امتنعوا كل امتناع . فبينما هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة ، إذ هو برجلين يقتتلان ، أحدهما من بني إسرائيل ، والآخر من آل فرعون ، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني ، فغضب موسى واشتد غضبه ، لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل ، وحفظه لهم ، ولا يعلم الناس إلا أنما ذلك من قبل الرضاعة غير أم موسى ، إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره ؛ فوكز موسى الفرعوني فقتله ، وليس يراهما أحد إلا الله والإسرائيلي ، فقال موسى حين قتل الرجل :
هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ
ثم قال :
رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ
الأخبار ، فأتى فرعون ، فقيل له : إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلا من آل فرعون ، فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم في ذلك ، فقال : ابغوني قاتله ومن شهد عليه ، لأنه لا يستقيم أن يقضي بغير بينة ولا ثبت ، فطلبوا له ذلك ؛ فبينما هم يطوفون لا يجدون ثبتا ، إذ مر موسى من الغد ، فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا ، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني ، فصادف موسى وقد ندم على ما كان منه بالأمس وكره الذي رأى ، فغضب موسى ، فمد يده وهو يريد أن يبطش بالفرعوني ، قال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم
إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ
فنظر الإسرائيلي موسى بعد ما قال ، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني ، فخاف أن يكون بعد ما قال له
إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ
أن يكون إياه أراد ، ولم يكن أراده ، وإنما أراد الفرعوني ، فخاف الإسرائيلي ، فحاجز الفرعوني فقال :
يا مُوسى أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ
وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله ، فتتاركا ؛ فانطلق الفرعوني إلى قومه ، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول : أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ؟ فأرسل فرعون الذباحين ، فسلك موسى الطريق الأعظم ، فطلبوه وهم لا يخافون أن يفوتهم . وجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة ، فاختصر طريقا قريبا حتى سبقهم إلى موسى ، فأخبره الخبر ، وذلك من الفتون يا ابن جبير . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
فُتُوناً
قال : بلاء ، إلقاؤه في التابوت ، ثم في البحر ، ثم التقاط آل فرعون إياه ، ثم خروجه خائفا . قال محمد بن عمرو ، وقال أبو عاصم : خائفا ،