تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
قد توجههما العرب إلى معنى الإظهار ، واستشهد بعضهم لقيله ذلك ببيت الفرزدق :
فلما رأى الحجاج جرد سيفه * أسر الحروري الذي كان أضمرا
وقال : عنى بقوله : أسر : أظهر . قال : وقد يجوز أن يكون معنى قوله :
وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ
وأظهروها . قال : وذلك أنهم قالوا :
يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا
. وقال جميع هؤلاء الذين حكينا قولهم جائز أن يكون قول من قال : معنى ذلك : أكاد أخفيها من نفسي ، أن يكون أراد : أخفيها من قبلي ومن عندي . وكل هذه الأقوال التي ذكرنا عمن ذكرنا توجيه منهم للكلام إلى غير وجهه المعروف ، وغير جائز توجيه معاني كلام الله إلى غير الأغلب عليه من وجوهه عند المخاطبين به ، ففي ذلك مع خلافهم تأويل أهل العلم فيه شاهد عدل على خطأ ما ذهبوا إليه فيه . وقوله :
لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى
يقول تعالى ذكره : إن الساعة آتية لتجزى كل نفس ؛ يقول : لتثاب كل نفس امتحنها ربها بالعبادة في الدنيا بما تسعى ، يقول : بما تعمل من خير وشر ، وطاعة ومعصية . وقوله :
فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها
يقول تعالى ذكره : فلا يردنك يا موسى عن التأهب للساعة ، من لا يؤمن بها ، يعني : من لا يقر بقيام الساعة ، ولا يصدق بالبعث بعد الممات ، ولا يرجو ثوابا ، ولا يخاف عقابا . وقوله :
وَاتَّبَعَ هَواهُ
يقول : اتبع هوى نفسه ، وخالف أمر الله ونهيه
فَتَرْدى
يقول : فتهلك إن أنت انصددت عن التأهب للساعة ، وعن الإيمان بها ، وبأن الله باعث الخلق لقيامها من قبورهم بعد فنائهم بصد من كفر بها . وكان بعضهم يزعم أن الهاء والألف من قوله
فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها
كناية عن ذكر الإيمان ، قال : وإنما قيل عنها وهي كناية عن الإيمان كما قيل
إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
يذهب إلى الفعلة ، ولم يجر للإيمان ذكر في هذا الموضع ، فيجعل ذلك من ذكره ، وإنما جرى ذكر الساعة ، فهو بأن يكون من ذكرها أولى . القول في تأويل قوله تعالى :
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى
يقول تعالى ذكره : وما هذه التي في يمينك يا موسى ؟ فالباء في قوله
بِيَمِينِكَ
من صلة تلك ، والعرب تصل تلك وهذه كما تصل الذي ؛ ومنه قول يزيد بن مفرع :
عدس ما لعباد عليك إمارة * أمنت وهذا تحملين طليق
كأنه قال : والذي تحملين طليق . ولعل قائلا أن يقول : وما وجه استخبار الله موسى عما في يده ؟ ألم يكن عالما بأن الذي في يده عصا ؟ قيل له : إن ذلك على غير الذي ذهبت إليه ، وإنما قال ذلك عز ذكره له إذا أراد أن يحولها حية تسعى ، وهي خشبة ، فنبهه عليها ، وقرره بأنها خشبة يتوكأ عليها ، ويهش بها على غنمه ، ليعرفه قدرته على ما يشاء ، وعظم سلطانه ، ونفاذ أمره فيما أحب بتحويله إياها حية تسعى ، إذا أراد ذلك به ليجعل ذلك لموسى آية مع سائر آياته إلى فرعون وقومه . القول في تأويل قوله