مَنْ يَمُوتُ
قال : حلف رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عند رجل من المكذبين ، فقال :
والذي يرسل الروح من بعد الموت فقال : وإنك لتزعم أنك مبعوث من بعد الموت ؟ وأقسم بالله جهد يمينه لا يبعث الله من يموت . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، قال : كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين ، فأتاه يتقاضاه ، فكان فيما تكلم به : والذي أرجوه بعد الموت إنه لكذا فقال المشرك : إنك تزعم أنك تبعث بعد الموت ؟ فأقسم بالله جهد يمينه لا يبعث الله من يموت ؛ فأنزل الله :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن عطاء بن أبي رباح أنه أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول : " قال الله : سبني ابن آدم ، ولم يكن ينبغي له أن يسبني ، وكذبني ولم يكن ينبغي له أن يكذبني ؛ فأما تكذيبه إياي فقال :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ
قال : قلت :
بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا
وأما سبه إياي فقال :
إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ
وقلت :
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
القول في تأويل قوله تعالى
لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ
يقول تعالى ذكره : بل ليبعثن الله من يموت وعدا عليه حقا ، ليبين لهؤلاء الذين يزعمون أن الله لا يبعث من يموت ولغيرهم الذي يختلفون فيه من إحياء الله خلقه بعد فنائهم ، وليعلم الذين جحدوا صحة ذلك وأنكروا حقيقته أنهم كانوا كاذبين في قيلهم لا يبعث الله من يموت .
كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ
قال : للناس عامة . القول في تأويل قوله تعالى
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . . .
وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
يقول تعالى ذكره : إنا إذا أردنا أن نبعث من يموت فلا تعب علينا ولانصب في إحيائنا هم ، ولا في غير ذلك ما نخلق ونكون ونحدث ؛ لأنا إذا أردنا خلقه وإنشاءه فإنما نقول له كن فيكون ، لا معاناة فيه ولا كلفة علينا . واختلفت القراء في قراءة قوله : " يكون " فقرأه أكثر قراء الحجاز والعراق على الابتداء ، وعلى أن قوله :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ
كلام تام مكتف بنفسه عما بعده ، ثم يبتدأ فيقال : " فيكون " ، كما قال الشاعر :
يريد أن يعربه فيعجمه
وقرأ ذلك بعض قراء أهل الشام وبعض المتأخرين من قراء الكوفيين : " فيكون " نصبا ، عطفا على قوله :
أَنْ نَقُولَ لَهُ
وكأن معنى الكلام على مذهبهم : ما قولنا لشيء إذا أردناه إلا أن نقول له : كن ، فيكون .
وقد حكي عن العرب سماعا : أريد أن آتيك فيمنعني المطر ، عطفا ب " يمنعني " على " آتيك " . وقوله :
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً
يقول تعالى ذكره : والذين فارقوا قومهم ودورهم وأوطانهم عداوة لهم في الله على كفرهم إلى آخرين غيرهم .
مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا
يقول : من بعد ما نيل منهم في أنفسهم بالمكاره في ذات الله .
لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً
يقول : لنسكننهم في الدنيا مسكنا يرضونه صالحا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ
قال : هؤلاء أصحاب محمد ظلمهم أهل مكة ، فأخرجوهم من ديارهم حتى لحق طوائف منهم