تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
الذي يدعو عباده إلى توحيده وطاعته ؟ يقول : لا يستوي هو تعالى ذكره ، والصنم الذي صفته ما وصف . وقوله :
وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
يقول : وهو مع أمره بالعدل ، على طريق من الحق في دعائه إلى العدل وأمره به مستقيم ، لا يعوج عن الحق ولا يزول عنه . وقد اختلف أهل التأويل في المضروب له هذا المثل ، فقال بعضهم في ذلك بنحو الذي قلنا فيه . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة :
لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ
قال : هو الوثن .
هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
قال : الله يأمر بالعدل .
وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
وكذلك كان مجاهد يقول ؛ إلا أنه كان يقول : المثل الأول أيضا ضربه الله لنفسه وللوثن . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، وحدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله تعالى ذكره :
عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً
و
رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ
وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
قال : كل هذا مثل إله الحق ، وما يدعى من دونه من الباطل . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن جويبر ، عن الضحاك :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ
قال : إنما هذا مثل ضربه الله . وقال آخرون : بل كلا المثلين للمؤمن والكافر . وذلك قول يروى عن ابن عباس ، وقد ذكرنا الرواية عنه في المثل الأول في موضعه . وأما في المثل الآخر : فحدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ
إلى آخر الآية ، يعني بالأبكم : الذي هو كل على مولاه الكافر ، وبقوله :
وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
المؤمن ، وهذا المثل في الأعمال . حدثنا الحسن بن الصباح البزار ، قال : ثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني ، قال : ثنا حماد ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن إبراهيم ، عن عكرمة ، عن يعلى بن أمية ، عن ابن عباس ، في قوله :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً
قال : نزلت في رجل من قريش وعبده . وفي قوله :
مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ
إلى قوله :
وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
قال : هو عثمان بن عفان . قال : والأبكم الذي أينما يوجه لا يأت بخير ، ذاك مولى عثمان بن عفان ، كان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المئونة ، وكان الآخر يكره الإسلام ويأباه وينهاه عن الصدقة والمعروف ، فنزلت فيهما . وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في المثل الأول لأنه تعالى ذكره مثل مثل الكافر بالعبد الذي وصف صفته ، ومثل مثل المؤمن بالذي رزقه حسنا فهو ينفق مما رزقه سرا وجهرا ، فلم يجز أن يكون ذلك لله مثلا ، إذ كان الله إنما مثل الكافر الذي لا يقدر على شيء بأنه لم يرزقه رزقا ينفق منه سرا ؛ ومثل المؤمن الذي وفقه الله لطاعته فهداه لرشده فهو يعمل بما يرضاه الله ، كالحر الذي بسط له في الرزق فهو ينفق منه سرا وجهرا ، والله تعالى ذكره هو الرازق غير المرزوق ، فغير جائز أن يمثل إفضاله وجوده بإنفاق المرزوق الرزق الحسن . وأما المثل الثاني ، فإنه تمثيل منه تعالى ذكره من مثله الأبكم الذي لا يقدر على شيء والكفار لا شك أن منهم من له الأموال الكثيرة ، ومن يضر أحيانا الضر العظيم بفساده ، فغير كائن ما لا يقدر على شيء ، كما قال تعالى ذكره مثلا ، لمن يقدر على أشياء كثيرة . فإذا كان ذلك كذلك كان أولى المعاني به تمثيل ما لا يقدر على شيء ؛ كما قال تعالى ذكره