صلى الله عليه وسلم ولا بحجة عقل ، على أنه عنى بذلك نوعا من الحفدة دون نوع منهم ، وكان قد أنعم بكل ذلك علينا ، لم يكن لنا أن نوجه ذلك إلى خاص من الحفدة دون عام ، إلا ما اجتمعت الأمة عليه أنه غير داخل فيهم . وإذا كان ذلك كذلك فلكل الأقوال التي ذكرنا عمن ذكرنا وجه في الصحة ومخرج في التأويل ؛ وإن كان أولى بالصواب من القول ما اخترنا لما بينا من الدليل . وقوله :
وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
يقول : ورزقكم من حلال المعاش والأرزاق والأقوات .
أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ
يقول تعالى ذكره : يحرم عليهم أولياء الشيطان من البحائر والسوائب والوصائل ، فيصدق هؤلاء المشركون بالله .
وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ
يقول : وبما أحل الله لهم من ذلك وأنعم عليهم بإحلاله ،
يَكْفُرُونَ
يقول :
ينكرون تحليله ، ويجحدون أن يكون الله أحله . القول في تأويل قوله تعالى :
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ
يقول تعالى ذكره : ويعبد هؤلاء المشركون بالله من دونه أوثانا لا تملك لهم رزقا من السماوات ، لأنها لا تقدر على إنزال قطر منها لإحياء موتان الأرضين .
وَالْأَرْضِ
يقول : ولا تملك لهم أيضا رزقا من الأرض لأنها لا تقدر على إخراج شيء من نباتها وثمارها لهم ولا شيئا مما عدد تعالى في هذه الآية أنه أنعم بها عليهم .
وَلا يَسْتَطِيعُونَ
يقول : ولا تملك أوثانهم شيئا من السماوات والأرض ، بل هي وجميع ما في السماوات والأرض لله ملك ،
وَلا يَسْتَطِيعُونَ
يقول : ولا تقدر على شيء .
وقوله :
فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ
يقول : فلا تمثلوا لله الأمثال ، ولا تشبهوا له الأشباه ، فإنه لا مثل له ولا شبه .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : الأمثال الأشباه . وحدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ
يعني اتخاذهم الأصنام ، يقول : لا تجعلوا معي إلها غيري ، فإنه لا إله غيري . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ
قال : هذه الأوثان التي تعبد من دون الله لا تملك لمن يعبدها رزقا ولا ضرا ولا نفعا ، ولا حياة ولا نشورا . وقوله :
فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ
فإنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد .
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
يقول : والله أيها الناس يعلم خطأ ما تمثلون وتضربون من الأمثال وصوابه ، وغير ذلك من سائر الأشياء ، وأنتم لا تعلمون صواب ذلك من خطئه .
واختلف أهل العربية في الناصب قوله : " شيئا " فقال بعض البصريين : هو منصوب على البدل من الرزق ، وهو في معنى : لا يملكون رزقا قليلا ولا كثيرا . وقال بعض الكوفيين : نصب " شيئا " بوقوع الرزق عليه ، كما قال تعالى ذكره :
أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً
أي تكفت الأحياء والأموات ، ومثله قوله تعالى ذكره :
أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ
قال : ولو كان الرزق مع الشيء لجاز خفضه ، لا يملك لكم رزق شيء من السماوات ، ومثله :
فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ
القول في تأويل قوله تعالى :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون
يقول تعالى ذكره : وشبه الله لكم شبها أيها الناس للكافر من عبيده ، والمؤمن به منهم . فأما مثل الكافر : فإنه