تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
بمثله ما لا يقدر على شيء ، وذلك الوثن الذي لا يقدر على شيء ، بالأبكم الكل على مولاه الذي لا يقدر على شيء كما قال ووصف . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
يقول تعالى ذكره : ولله أيها الناس ملك ما غاب عن أبصاركم في السماوات والأرض دون آلهتكم التي تدعون من دونه ، ودون كل ما سواه ، لا يملك ذلك أحد سواه .
وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ
يقول : وما أمر قيام القيامة والساعة التي تنشر فيها الخلق للوقوف في موقف القيامة ، إلا كنظرة من البصر ، لأن ذلك إنما هو أن يقال له كن فيكون . كما : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة :
إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
والساعة : كلمح البصر ، أو أقرب . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة :
وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ
قال : هو أن يقول : كن ، فهو كلمح البصر فأمر الساعة كلمح البصر أو أقرب ، يعني يقول : أو هو أقرب من لمح البصر . وقوله :
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
يقول : إن الله على إقامة الساعة في أقرب من لمح البصر قادر ، وعلى ما يشاء من الأشياء كلها ، لا يمتنع عليه شيء أراده . القول في تأويل قوله تعالى :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
يقول تعالى ذكره : والله تعالى أعلمكم ما لم تكونوا تعلمون من بعد ما أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعقلون شيئا ولا تعلمون ، فرزقكم عقولا تفقهون بها وتميزون بها الخير من الشر وبصركم بها ما لم تكونوا تبصرون ، وجعل لكم السمع الذي تسمعون به الأصوات ، فيفقه بعضكم عن بعض ما تتحاورون به بينكم والأبصار التي تبصرون بها الأشخاص فتتعارفون بها وتميزون بها بعضا من بعض .
وَالْأَفْئِدَةَ
يقول : والقلوب التي تعرفون بها الأشياء فتحفظونها وتفكرون فتفقهون بها .
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
يقول : فعلنا ذلك بكم ، فاشكروا الله على ما أنعم به عليكم من ذلك ، دون الآلهة والأنداد ، فجعلتم له شركاء في الشكر ، ولم يكن له فيما أنعم به عليكم من نعمه شريك . وقوله :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً
كلام متناه ، ثم ابتدئ الخبر ، فقيل : وجعل الله لكم السمع والأبصار والأفئدة . وإنما قلنا ذلك كذلك ، لأن الله تعالى ذكره جعل لعباده السمع والأبصار والأفئدة قبل أن يخرجهم من بطون أمهاتهم ، وإنما أعطاهم العلم والعقل بعد ما أخرجهم من بطون أمهاتهم . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين : ألم تروا أيها المشركون بالله إلى الطير مسخرات في جو السماء ، يعني : في هواء السماء بينها وبين الأرض ، كما قال إبراهيم بن عمران الأنصاري :
ويل أمها من هواء الجو طالبة * ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب
يعني : في هواء السماء .
ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ
يقول : ما طيرانها في الجو إلا بالله وبتسخيره إياها بذلك ، ولو سلبها ما أعطاها من الطيران لم تقدر على النهوض ارتفاعا . وقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
يقول : إن في تسخير الله الطير وتمكينه لها الطيران في جو السماء ، لعلامات ودلالات على أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأنه لاحظ للأصنام والأوثان في الألوهة .
لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
يعني : لقوم يقرون بوجدان ما تعاينه أبصارهم وتحسه حواسهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 102 | محمد بن جرير الطبري