فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ
قال : النصارى . والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إن الله تعالى إنما وصف أنه خلف القوم الذين قص قصصهم في الآيات التي مضت خلف سوء رديء ، ولم يذكر لنا أنهم نصارى في كتابه ، وقصتهم بقصص اليهود أشبه منها بقصص النصارى . وبعد ، فإن ما قبل ذلك خبر عن بني إسرائيل وما بعده كذلك ، فما بينهما بأن يكون خبرا عنهم أشبه ، إذ لم يكن في الآية دليل على صرف الخبر عنهم إلى غيرهم ، ولا جاء بذلك دليل يوجب صحة القول به . فتأويل الكلام إذن : فتبدل من بعدهم بدل سوء ، ورثوا كتاب الله : تعلموه ، وضيعوا العمل به فخالفوا حكمه ، يرشون في حكم الله ، فيأخذون الرشوة فيه من عرض هذا العاجل الأدنى ، يعني بالأدنى : الأقرب من الآجل الأبعد ، ويقولون إذا فعلوا ذلك : إن الله سيغفر لنا ذنوبنا تمنيا على الله الأباطيل ، كما قال جل ثناؤه فيهم :
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ
وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ
يقول : وإن شرع لهم ذنب حرام مثله من الرشوة بعد ذلك أخذوه واستحلوه ، ولم يرتدعوا عنه . يخبر جل ثناؤه عنهم أنهم أهل إصرار على ذنوبهم ، وليسوا بأهل إنابة ولا توبة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل وإن اختلفت عنه عباراتهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا أحمد بن المقدام ، قال : ثنا فضيل بن عياض ، عن منصور ، عن سعيد بن جبير ، في قوله :
يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ
قال : يعملون الذنب ثم يستغفرون الله ، فإن عرض ذلك الذنب أخذوه . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن سعيد بن جبير :
وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ
قال : من الذنوب . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن سعيد بن جبير :
يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا
قال : يعملون بالذنوب .
وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ
قال : ذنب آخر يعملون به . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن منصور ، عن سعيد بن جبير :
يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى
قال : الذنوب .
وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ
قال : الذنوب .
حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى
قال : ما أشرف لهم من شيء في اليوم من الدنيا حلال أو حرام يشتهونه أخذوه ، ويبتغون المغفرة ، فإن يجدوا الغد مثله يأخذوه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، بنحوه ، إلا أنه قال : يتمنون المغفرة . حدثنا الحرث ، قال :
ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا أبو سعد ، عن مجاهد :
يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى
قال : لا يشرف لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه حلالا كان أو حراما ، ويتمنون المغفرة ،
وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا
وإن يجدوا عرضا مثله يأخذوه . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ
أي والله لخلف سوء ورثوا الكتاب بعد أنبيائهم ورسلهم ، ورثهم الله وعهد إليهم ، وقال الله في آية أخرى :
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ
قال :
يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا
تمنوا على الله أماني وغرة يغترون بها .
وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ
لا يشغلهم شيء عن شيء ولا ينهاهم عن ذلك ، كلما أشرف لهم شيء من الدنيا أكلوه لا يبالون حلالا كان أو حراما . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة :
يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى
قال : يأخذونه