أثلاثا : ثلث نهوا ، وثلث قالوا :
لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ
، وثلث أصحاب الخطيئة . فلما نجا إلا الذين نهوا ، وهلك سائرهم ، فأصبح الذين نهوا عن السوء ذات يوم في مجالسهم يتفقدون الناس لا يرونهم ، فغلقوا عليهم دورهم ، فجعلوا يقولون : إن للناس لشأنا ، فانظروا ما شأنهم فاطلعوا في دورهم ، فإذا القوم قد مسخوا في ديارهم قردة ، يعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد ، ويعرفون المرأة بعينها وإنها لقردة ، قال الله :
فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن أبي بكر الهذلي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس :
أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ
الآية ، قال ابن عباس : نجا الناهون ، وهلك الفاعلون ، ولا أدري ما صنع بالساكتين . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، عن ابن عباس :
لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ
قال : هم ثلاث فرق : الفرقة التي وعظت ، والموعوظة التي وعظت ، والله أعلم ما فعلت الفرقة الثالثة ، وهم الذين قالوا :
لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ
وقال الكلبي : هما فرقتان : الفرقة التي وعظت ، والفرقة التي قالت :
لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ
قال :
هي الموعوظة . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عمران بن عيينة ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لأن أكون علمت من هؤلاء الذين قالوا :
لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً
أحب إلي مما عدل به . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن عطاء ، قال : قال ابن عباس :
وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ
قال : أسمع الله يقول :
أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ
فليت شعري ما فعل بهؤلاء الذين قالوا :
لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن جعفر ، عن ماهان الحنفي أبي صالح ، في قوله :
تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ
قال : كانوا في المدينة التي على ساحل البحر ، وكانت الأيام ستة ، الأحد إلى الجمعة ، فوضعت اليهود يوم السبت ، وسبتوه على أنفسهم ، فسبته الله عليهم ، ولم يكن السبت قبل ذلك ، فوكده الله عليهم ، وابتلاهم فيه بالحيتان ، فجعلت تشرع يوم السبت ، فيتقون أن يصيبوا منها ، حتى قال رجل منهم : والله ما السبت بيوم وكده الله علينا ، ونحن وكدناه على أنفسنا ، فلو تناولت من هذا السمك فتناول حوتا من الحيتان ، فسمع بذلك جاره ، فخاف العقوبة فهرب من منزله . فلما مكث ما شاء الله ولم تصبه عقوبة تناول غيره أيضا في يوم السبت . فلما لم تصبهم العقوبة كثر من تناول في يوم السبت ، واتخذوا يوم السبت وليلة السبت عيدا يشربون فيه الخمور ويلعبون فيه بالمعازف ، فقال لهم خيارهم وصلحاؤهم : ويحكم ، انتهوا عما تفعلون ، إن الله مهلككم أو معذبكم عذابا شديدا أفلا تعقلون ؟ ولا تعدوا في السبت فأبوا ، فقال خيارهم : نضرب بيننا وبينهم حائطا ففعلوا .
وكان إذا كان ليلة السبت تأذوا بما يسمعون من أصواتهم وأصوات المعازف . حتى إذا كانت الليلة التي مسخوا فيها ، سكنت أصواتهم أول الليل ، فقال خيارهم : ما شأن قومكم قد سكنت أصواتهم الليلة ؟
فقال بعضهم : لعل الخمر غلبتهم فناموا . فلما أصبحوا لم يسمعوا لهم حسا ، فقال بعضهم لبعض : ما لنا لا نسمع من قومكم حسا ؟ فقالوا لرجل : اصعد الحائط وانظر ما شأنهم فصعد الحائط فرآهم يموج بعضهم في بعض ، قد مسخوا قردة ، فقال لقومه : تعالوا فانظروا إلى قومكم ما لقوا فصعدوا ، فجعلوا ينظرون إلى الرجل ، فيتوسمون فيه ، فيقولون : أي فلان أنت فلان ؟ فيومئ بيده إلى صدره :
أي نعم بما كسبت يداي . حدثني يعقوب وابن وكيع ، قالا : ثنا ابن علية ، عن أيوب