تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
أي ينتهون ، فهو أحب إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا ، وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم . فمضوا على الخطيئة ، فقال الأيمنون : قد فعلتم يا أعداء الله ، والله لانبايتكم الليلة في مدينتكم ، والله ما نراكم تصبحون حتى يصيبكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده بالعذاب فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا ، فلم يجابوا ، فوضعوا سلما وأعلوا سور المدينة رجلا ، فالتفت إليهم فقال : أي عباد الله قردة والله تعاوى لها أذناب قال : ففتحوا فدخلوا عليهم ، فعرفت القردة أنسابها من الإنس ، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة ، فجعلت القرود تأتي نسيبها من الإنس ، فتشم ثيابه وتبكي ، فتقول لهم : ألم ننهكم عن كذا ؟ فتقول برأسها نعم . ثم قرأ ابن عباس :
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
قال : فأرى اليهود الذين نهوا قد نجوا ، ولا أرى الآخرين ذكروا ، ونحن نرى أشياء ننكرها ، فلا نقول فيها ، قال : قلت : أي جعلني الله فداك ، ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم وقالوا :
لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ
قال : فأمر بي فكسيت بردين غليظين . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ
ذكر لنا أنه إذا كان يوم السبت أقبلت الحيتان حتى تنتطح على سواحلهم وأفنيتهم لما بلغها من أمر الله في الماء ، فإذا كان في غير يوم السبت بعدت في الماء حتى يطلبها طالبهم ، فأتاهم الشيطان ، فقال : إنما حرم عليكم أكلها يوم السبت ، فاصطادوها يوم السبت وكلوها فيما بعد قوله :
وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
فصار القوم ثلاثة أصناف : أما صنف ، فأمسكوا عن حرمة الله ونهوا عن معصية الله . وأما صنف فأمسك عن حرمة الله هيبة لله . وأما صنف فانتهك الحرمة ووقع في الخطيئة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس في قول الله :
حاضِرَةَ الْبَحْرِ
قال : حرمت عليهم الحيتان يوم السبت ، وكانت تأتيهم يوم السبت شرعا ، بلاء ابتلوا به ، ولا تأتيهم في غيره إلا أن يطلبوها ، بلاء أيضا بما كانوا يفسقون . فأخذوها يوم السبت استحلالا ومعصية ، فقال الله لهم :
كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ
إلا طائفة منهم لم يعتدوا ونهوهم ، فقال بعضهم لبعض :
لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً
حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ
حتى بلغ :
وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
لعلهم يتركون ما هم عليه . قال : كانوا قد بلوا بكف الحيتان عنهم ، وكانوا يسبتون في يوم السبت ، ولا يعملون فيه شيئا ، فإذا كان يوم السبت أتتهم الحيتان شرعا ، وإذا كان غير يوم السبت لم يأت حوت واحد . قال : وكانوا قوما قد قرنوا بحب الحيتان ، ولقوا منه بلاء ، فأخذ رجل منهم حوتا ، فربط في ذنبه خيطا ، ثم ربطه إلى خسفة ، ثم تركه في الماء ، حتى إذا غربت الشمس من يوم الأحد اجتره بالخيط ، ثم شواه . فوجد جار له ريح حوت ، فقال : يا فلان إني أجد في بيتك ريح نون فقال : لا . قال : فتطلع في تنوره فإذا هو فيه فأخبره حينئذ الخبر ، فقال : إني أرى الله سيعذبك . قال : فلما لم يره عجل عذابا ، فلما أتى السبت الآخر أخذ اثنين فربطهما ، ثم اطلع جار له عليه . فلما رآه لم يعجل عذابا جعلوا يصيدونه ، فاطلع أهل القرية عليهم ، فنهاهم الذين ينهون عن المنكر ، فكانوا فرقتين : فرقة تنهاهم وتكف ، وفرقة تنهاهم ولا تكف ، فقال الذين نهوا وكفوا للذين ينهون ولا يكفون :
لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ