أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فقال الآخرون : مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فقال الله : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ إلى قوله : بِما كانُوا يَفْسُقُونَ قال الله : فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ وقال لهم أهل تلك القرية : عملتم بعمل سوء ، من كان يريد يعتزل ويتطهر فليعتزل هؤلاء قال : فاعتزل هؤلاء وهؤلاء في مدينتهم ، وضربوا بينهم سورا ، فجعلوا في ذلك السور أبوابا يخرج بعضهم إلى بعض . قال : فلما كان الليل طرقهم الله بعذابه ، فأصبح أولئك المؤمنون لا يرون منهم أحدا ، فدخلوا عليهم ، فإذا هم قردة ، الرجل وأزواجه وأولاده . فجعلوا يدخلون على الرجل يعرفونه ، فيقولون : يا فلان ألم نحذرك سطوات الله ؟ ألم نحذرك نقمات الله ؟ ونحذرك ونحذرك ؟ قال : فليس إلا بكاء . قال : وأنما عذب الله الذين ظلموا الذين أقاموا على ذلك . قال : وأما الذين نهوا فكلهم قد نهى ، ولكن بعضهم أفضل من بعض ؛ فقرأ : أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا المحاربي ، عن داود ، عن عكرمة ، قال : قرأ ابن عباس هذه الآية : لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قال : لا أدري أنجا القوم أو هلكوا ؟ فما زلت أبصره حتى عرف أنهم نجوا ، وكساني حلة . حدثني يونس ، قال : أخبرني أشهب بن عبد العزيز ، عن مالك ، قال : زعم ابن رومان أن قوله : تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ قال : كانت تأتيهم يوم السبت ، فإذا كان المساء ذهبت فلا يرى منها شيء إلى السبت ، فاتخذ لذلك رجل منهم خيطا ووتدا ، فربط حوتا منها في الماء يوم السبت ، حتى إذا أمسوا ليلة الأحد أخذه فاشتواه ، فوجد الناس ريحه ، فأتوه فسألوه عن ذلك ، فجحدهم ، فلم يزالوا به حتى قال لهم : فإنه جلد حوت وجدناه ؛ فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك ، ولا أدري لعله قال : ربط حوتين ، فلما أمسى من ليلة الأحد أخذه فاشتواه ، فوجدوا ريحه ، فجاءوا فسألوه ، فقال لهم : لو شئتم صنعتم كما أصنع ، فقالوا له : وما صنعت ؟ فأخبرهم ، ففعلوا مثل ما فعل ، حتى كثر ذلك . وكانت لهم مدينة لها ربض ، فغلقوها عليهم ، فأصابهم من المسخ ما أصابهم ، فغدا إليهم جيرانهم ممن كان يكون حولهم ، يطلبون منهم ما يطلب الناس ، فوجدوا المدينة مغلقة عليهم ، فنادوا فلم يجيبوهم ، فتسوروا عليهم ، فإذا هم قردة ، فجعل القرد يدنو يتمسح بمن كان يعرف قبل ذلك ويدنو منه ويتمسح به . وقال آخرون : بل الفرقة التي قالت : لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ كانت من الفرقة الهالكة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن محمد بن إسحاق ، عن داود بن حصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إلى قوله : شُرَّعاً قال : قال ابن عباس : ابتدعوا السبت ، فابتلوا فيه ، فحرمت عليهم فيه الحيتان ، فكانوا إذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر ، فإذا انقضى السبت ذهبت ، فلم تر حتى السبت المقبل ، فإذا جاء السبت جاءت شرعا . فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا كذلك ، ثم إن رجلا منهم أخذ حوتا فخرم أنفه ، ثم ضرب له وتدا في الساحل وربطه وتركه في الماء ، فلما كان الغد أخذه فشواه فأكله . ففعل ذلك وهم ينظرون ولا ينكرون ، ولا ينهاه منهم أحد إلا عصبة منهم نهوه ، حتى ظهر ذلك في الأسواق وفعل علانية ، قال : فقالت طائفة للذين ينهون : لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ في سخطنا أعمالهم وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ إلى قوله : قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ قال ابن عباس : كانوا
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 66
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٦٦