تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً
فقال الآخرون :
مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
فقال الله :
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ
إلى قوله :
بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
قال الله :
فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ
وقال لهم أهل تلك القرية : عملتم بعمل سوء ، من كان يريد يعتزل ويتطهر فليعتزل هؤلاء قال : فاعتزل هؤلاء وهؤلاء في مدينتهم ، وضربوا بينهم سورا ، فجعلوا في ذلك السور أبوابا يخرج بعضهم إلى بعض . قال : فلما كان الليل طرقهم الله بعذابه ، فأصبح أولئك المؤمنون لا يرون منهم أحدا ، فدخلوا عليهم ، فإذا هم قردة ، الرجل وأزواجه وأولاده . فجعلوا يدخلون على الرجل يعرفونه ، فيقولون : يا فلان ألم نحذرك سطوات الله ؟ ألم نحذرك نقمات الله ؟ ونحذرك ونحذرك ؟ قال : فليس إلا بكاء . قال : وأنما عذب الله الذين ظلموا الذين أقاموا على ذلك . قال : وأما الذين نهوا فكلهم قد نهى ، ولكن بعضهم أفضل من بعض ؛ فقرأ :
أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا المحاربي ، عن داود ، عن عكرمة ، قال : قرأ ابن عباس هذه الآية :
لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً
قال : لا أدري أنجا القوم أو هلكوا ؟ فما زلت أبصره حتى عرف أنهم نجوا ، وكساني حلة . حدثني يونس ، قال : أخبرني أشهب بن عبد العزيز ، عن مالك ، قال : زعم ابن رومان أن قوله :
تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ
قال : كانت تأتيهم يوم السبت ، فإذا كان المساء ذهبت فلا يرى منها شيء إلى السبت ، فاتخذ لذلك رجل منهم خيطا ووتدا ، فربط حوتا منها في الماء يوم السبت ، حتى إذا أمسوا ليلة الأحد أخذه فاشتواه ، فوجد الناس ريحه ، فأتوه فسألوه عن ذلك ، فجحدهم ، فلم يزالوا به حتى قال لهم : فإنه جلد حوت وجدناه ؛ فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك ، ولا أدري لعله قال : ربط حوتين ، فلما أمسى من ليلة الأحد أخذه فاشتواه ، فوجدوا ريحه ، فجاءوا فسألوه ، فقال لهم : لو شئتم صنعتم كما أصنع ، فقالوا له : وما صنعت ؟ فأخبرهم ، ففعلوا مثل ما فعل ، حتى كثر ذلك . وكانت لهم مدينة لها ربض ، فغلقوها عليهم ، فأصابهم من المسخ ما أصابهم ، فغدا إليهم جيرانهم ممن كان يكون حولهم ، يطلبون منهم ما يطلب الناس ، فوجدوا المدينة مغلقة عليهم ، فنادوا فلم يجيبوهم ، فتسوروا عليهم ، فإذا هم قردة ، فجعل القرد يدنو يتمسح بمن كان يعرف قبل ذلك ويدنو منه ويتمسح به . وقال آخرون : بل الفرقة التي قالت :
لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ
كانت من الفرقة الهالكة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن محمد بن إسحاق ، عن داود بن حصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس :
وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ
إلى قوله :
شُرَّعاً
قال : قال ابن عباس : ابتدعوا السبت ، فابتلوا فيه ، فحرمت عليهم فيه الحيتان ، فكانوا إذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر ، فإذا انقضى السبت ذهبت ، فلم تر حتى السبت المقبل ، فإذا جاء السبت جاءت شرعا . فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا كذلك ، ثم إن رجلا منهم أخذ حوتا فخرم أنفه ، ثم ضرب له وتدا في الساحل وربطه وتركه في الماء ، فلما كان الغد أخذه فشواه فأكله . ففعل ذلك وهم ينظرون ولا ينكرون ، ولا ينهاه منهم أحد إلا عصبة منهم نهوه ، حتى ظهر ذلك في الأسواق وفعل علانية ، قال : فقالت طائفة للذين ينهون :
لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ
في سخطنا أعمالهم
وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ
إلى قوله :
قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ
قال ابن عباس : كانوا
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 66 | محمد بن جرير الطبري