وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ
إلى قوله :
وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ
وذلك أن أهل قرية كانت حاضرة البحر كانت تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم ، يقول : إذا كانوا يوم يسبتون تأتيهم شرعا ، يعني من كل مكان ،
وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ
وأنهم قالوا : لو أنا أخذنا من هذه الحيتان يوم تجيء ما يكفينا فيما سوى ذلك من الأيام . فوعظهم قوم مؤمنون ونهوهم . وقالت طائفة من المؤمنين : إن هؤلاء قوم قد هموا بأمر ليسوا بمنتهين دونه ، والله مخزيهم ومعذبهم عذابا شديدا . قال المؤمنون بعضهم لبعض :
مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
إن كان هلاك فلعلنا ننجو ؛ وإما أن ينتهوا فيكون لنا أجرا . وقد كان الله جعل على بني إسرائيل يوما يعبدونه ويتفرغون له فيه ، وهو يوم الاثنين ، فتعدى الخبثاء من الاثنين إلى السبت ، وقالوا : هو يوم السبت .
فنهاهم موسى ، فاختلفوا فيه ، فجعل عليهم السبت ، ونهاهم أن يعملوا فيه وأن يعتدوا فيه . وإن رجلا منهم ذهب ليحتطب ، فأخذه موسى عليه السلام ، فسأله : هل أمرك بهذا أحد ؟ فلم يجد أحدا أمره ، فرجمه أصحابه . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : قال بعض الذين نهوهم لبعض :
لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً
يقول : لم تعظونهم وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم ؟ فقال بعضهم :
مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
حدثنا محمد بن المثني ، قال : ثنا معاذ بن هانئ ، قال : ثنا حماد ، عن داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس :
وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً
قال : ما أدري أنجا الذين قالوا :
لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ
أم لا ؟ قال :
فلم أزل به حتى عرفته أنهم قد نجوا ، فكساني حلة . حدثني المثني ، قال : ثنا حماد ، عن داود ، عن عكرمة ، قال : قرأ ابن عباس هذه الآية ، فذكر نحوه ، إلا أنه قال في حديثه : فما زلت أبصره حتى عرف أنهم قد نجوا . حدثني سلام بن سالم الخزاعي ، قال : ثنا يحيى بن سليم الطائفي ، قال : ثنا ابن جريج ، عن عكرمة ، قال : دخلت على ابن عباس والمصحف في حجره وهو يبكي ، فقلت : ما يبكيك جعلني الله فداءك ؟ قال : فقرأ :
وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ
إلى قوله :
بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
قال ابن عباس : لا أسمع الفرقة الثالثة ذكرت نخاف أن نكون مثلهم . فقلت : أما تسمع الله يقول :
فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ
فسري عنه وكساني حلة . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال :
أخبرنا ابن جريج ، قال : ثني رجل ، عن عكرمة ، قال : جئت ابن عباس يوما وهو يبكي ، وإذا المصحف في حجره ، فأعظمت أن أدنو ، ثم لم أزل على ذلك حتى تقدمت فجلست ، فقلت : ما يبكيك يا ابن عباس جعلني الله فداءك ؟ فقال : هؤلاء الورقات . قال : وإذا هو في سورة الأعراف . قال : تعرف أيلة ؟ قلت : نعم . قال :
فإنه كان حي من يهود سيقت الحيتان إليهم يوم السبت ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا بعد كد ومؤنة شديدة ، كانت تأتيهم يوم السبت شرعا بيضا سمانا كأنها الماخض ، تنتطح ظهورها لبطونها بأفنيتهم وأبنيتهم . فكانوا كذلك برهة من الدهر ، ثم إن الشيطان أوحى إليهم ، فقال : إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت ، فخذوها فيه وكلوها في غيره من الأيام فقالت ذلك طائفة منهم ، وقالت طائفة منهم : بل نهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها في يوم السبت . وكانوا كذلك حتى جاءت الجمعة المقبلة ، فعدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها ، واعتزلت طائفة ذات اليمين وتنحت ، واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت ، وقال الأيمنون : الله ينهاكم عن أن تعترضوا لعقوبة الله ، وقال الأيسرون :
لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً
قال الأيمنون :
مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ