تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
من الاختبار والابتلاء الذي ذكرنا بإظهار السمك لهم على ظهر الماء في اليوم المحرم عليهم صيده ، وإخفائها عنه في اليوم المحلل صيده ، كذلك نبلوهم ونختبرهم
بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
يقول : بفسقهم عن طاعة الله وخروجهم عنها . واختلفت القراء في قراءة قوله :
وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ
فقرئ بفتح الياء من " يسبتون " من قول القائل : سبت فلان يسبت سبتا وسبوتا : إذا عظم السبت . وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه : " ويوم لا يسبتون " بضم الياء ، من أسبت القوم يسبتون : إذا دخلوا في السبت ، كما يقال : أجمعنا : مرت بنا جمعة ، وأشهرنا : مر بنا شهر ، وأسبتنا : مر بنا سبت . ونصب " يوم " من قوله :
وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ
بقوله :
لا تَأْتِيهِمْ
، لأن معنى الكلام : لا تأتيهم يوم لا يسبتون . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : واذكر أيضا يا محمد ، إذ قالت أمة منهم ، جماعة منهم لجماعة كانت تعظ المعتدين في السبت وتنهاهم عن معصية الله فيه :
لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ
في الدنيا بمعصيتهم إياه ، وخلافهم أمره ، واستحلالهم ما حرم عليهم .
أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً
في الآخرة ، قال الذين كانوا ينهونهم عن معصية الله مجيبيهم عن قولهم : عظتنا إياهم
مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ
نؤدي فرضه علينا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
يقول : ولعلهم أن يتقوا الله فيخافوه ، فينيبوا إلى طاعته ويتوبوا من معصيتهم إياه وتعديه على ما حرم عليهم من اعتدائهم في السبت . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس :
قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ
لسخطنا أعمالهم .
وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
أي ينزعون عما هم عليه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
قال : يتركون هذا العمل الذي هم عليه . واختلفت القراء في قراءة قوله :
قالُوا مَعْذِرَةً
فقرأ دلك عامة قراء الحجاز والكوفة والبصرة : " معذرة " بالرفع على ما وصفت من معناها . وقرأ ذلك بعض أهل الكوفة :
مَعْذِرَةً
نصبا ، بمعنى : إعذارا وعظناهم وفعلنا ذلك . واختلف أهل العلم في هذه الفرقة التي قالت :
لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ
هل كانت من الناحية ، أم من الهالكة ؟ فقال بعضهم : كانت من الناجية ، لأنها كانت من الناهية الفرقة الهالكة عن الاعتداء في السبت . ذكر من قال ذلك . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً
هي قرية على شاطئ البحر بين مكة والمدينة يقال لها أيلة ، فحرم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم ، فكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعا في ساحل البحر ، فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها ، فمكثوا بذلك ما شاء الله . ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم ، فنهتهم طائفة وقالوا : تأخذونها وقد حرمها الله عليكم يوم سبتكم فلم يزدادوا إلا غيا وعتوا ، وجعلت طائفة أخرى تنهاهم . فلما طال ذلك عليهم قالت طائفة من النهاة : تعلمون أن هؤلاء قوم قد حق عليهم العذاب
لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ
وكانوا أشد غضبا لله من الطائفة الأخرى ، فقالوا :
مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
وكل قد كانوا ينهون . فلما وقع عليهم غضب الله ، نجت الطائفتان اللتان قالوا :
لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ
، والذين قالوا :
مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ
، وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان ، فجعلهم قردة وخنازير . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس :
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 63 | محمد بن جرير الطبري