الناس ، واعملوا بما أمركم أن تعملوا به من طاعة الله لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ يقول : لكي تهتدوا فترشدوا ، وتصيبوا الحق في اتباعكم إياه . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ يقول تعالى ذكره : وَمِنْ قَوْمِ مُوسى يعني بني إسرائيل ، أُمَّةٌ يقول : جماعة ، يَهْدُونَ بِالْحَقِّ يقول : يهتدون بالحق : أي يستقيمون عليه ويعملون ، وَبِهِ يَعْدِلُونَ أي وبالحق يعطون ويأخذون ، وينصفون من أنفسهم فلا يجورون . وقد قال في صفة هذه الأمة التي ذكرها الله في الآية جماعة أقوالا نحن ذاكرو ما حضرنا منها : حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن الزبير ، عن ابن عيينة ، عن صدقة أبي الهذيل ، عن السدي : وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ قال : قوم بينكم وبينهم نهر من شهد . . . . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ قال : بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم كفروا ، وكانوا اثني عشر سبطا ، تبرأ سبط منهم مما صنعوا ، واعتذروا ، وسألوا الله أن يفرق بينهم وبينهم ، ففتح الله لهم نفقا في الأرض ، فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين ، فهم هنا لك حنفاء مسلمون ، يستقبلون قبلتنا . قال ابن جريج : قال ابن عباس : فذلك قوله : وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً ووعد الآخرة عيسى ابن مريم يخرجون معه . قال ابن جريج : قال ابن عباس : ساروا في السرب سنة ونصفا . القول في تأويل قوله تعالى : وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً يقول تعالى ذكره : فرقناهم ، يعني قوم موسى من بني إسرائيل ، فرقهم الله فجعلهم قبائل شتى ، اثنتي عشرة قبيلة . وقد بينا معنى الأسباط فيما مضى ومن هم . واختلف أهل العربية في وجه تأنيث الاثنتي عشرة والأسباط جمع مذكر ، فقال بعض نحويي البصرة : أراد اثنتي عشرة فرقة ، ثم أخبر أن الفرق أسباط ، ولم يجعل العدد على أسباط . وكان بعضهم يستخل هذا التأويل ويقول : لا يخرج العدد على عين الثاني ، ولكن الفرق قبل الاثنتي عشرة حتى تكون الاثنتا عشرة مؤنثة على ما قبلها ، ويكون الكلام : وقطعناهم فرقا اثنتي عشرة أسباطا ، فيصح التأنيث لما تقدم . وقال بعض نحويي الكوفة ، إنما قال اثنتي عشرة بالتأنيث والسبط مذكر ، لأن الكلام ذهب إلى الأمم فغلب التأنيث وإن كان السبط ذكرا ، وهو مثل قول الشاعر :
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 60
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٦٠
وإن كلابا هذه عشر أبطن * وأنت بريء من قبائلها العشر
ذهب بالبطن إلى القبيلة والفصيلة ، فلذلك جمع البطن بالتأنيث . وكان آخرون من نحويي الكوفة يقولون : إنما أنثت " الاثنتا عشرة " و " السبط " ذكر ، لذكر " الأمم " . والصواب من القول في ذلك عندي أن الاثنتي عشرة أنثت لتأنيث القطعة . ومعنى الكلام : وقطعناهم قطعا اثنتي عشرة ، ثم ترجم عن القطع بالأسباط . وغير جائز أن تكون الأسباط مفسرة عن الاثنتي عشرة وهي جمع ، لأن التفسير فيما فوق العشر إلى العشرين بالتوحيد لا بالجمع ، والأسباط جمع لا واحد ، وذلك كقولهم : عندي اثنتا عشرة امرأة ،