تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
وهذا تذكير من الله عز وجل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومناصحة . يقول : أطيعوا الله ورسوله أيها المؤمنون ، واستجيبوا له إذا دعاكم لما يحييكم ولا تخالفوا أمره ، وإن أمركم بما فيه عليكم المشقة والشدة ، فإن الله يهونه عليكم بطاعتكم إياه ويعجل لكم منه ما تحبون ، كما فعل بكم إذ آمنتم به واتبعتموه وأنتم قليل يستضعفكم الكفار فيفتنونكم عن دينكم وينالونكم بالمكروه في أنفسكم وأعراضكم تخافون منهم أن يتخطفوكم فيقتلوكم ويصطلموا جميعكم
فَآواكُمْ
يقول : فحمل لكم مأوى تأوون إليه منهم .
وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ
يقول : وقواكم بنصره عليهم ، حتى قتلتم منهم من قتلتم ببدر .
وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
يقول : وأطعمكم غنيمتهم حلالا طيبا .
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
يقول : لكي تشكروا على ما رزقكم وأنعم به عليكم من ذلك وغيره من نعمه عندكم . واختلف أهل التأويل في الناس الذين عنوا بقوله :
أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ
فقال بعضهم : كفار قريش . ذكر من قال ذلك . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة ، قوله :
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ
قال : يعني بمكة مع النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من قريش وحلفائها ومواليها قبل الهجرة . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الكلبي أو قتادة أو كليهما :
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ
أنها نزلت في يوم بدر ، كانوا يومئذ يخافون أن يتخطفهم الناس ، فآواهم الله وأيدهم بنصره حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، بنحوه . وقال آخرون : بل عني به غير قريش . ذكر من قال ذلك . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرني أبي ، قال : سمعت وهب بن منبه يقول في قوله عز وجل :
تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ
قال : فارس . حدثني المثنى قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا إسماعيل بن عبد الكريم ، قال : ثني عبد الصمد ، أنه سمع وهب بن منبه يقول ، وقرأ :
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ
والناس إذ ذاك : فارس ، والروم . حدثني المثنى قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ
قال : كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا ، وأشقاه عيشا ، وأجوعه بطونا ، وأعراه جلودا ، وأبينه ضلالا ؛ من عاش منهم عاش شقيا ، ومن مات منهم ردي في الناس ، يوكلون ولا يأكلون ، والله ما نعلم قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منهم منزلا . حتى جاء الله بالإسلام ، فمكن به في البلاد ، ووسع به في الرزق ، وجعلكم به ملوكا على رقاب الناس ، فبالإسلام أعطى الله ما رأيتم ، فاشكروا الله على نعمه ، فإن ربكم منعم يحب الشكر وأهل الشكر في مزيد من الله تبارك وتعالى . وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب ، قول من قال : عني بذلك مشركو قريش ؛ لأن المسلمين لم يكونوا يخافون على أنفسهم قبل الهجرة من غيرهم ، لأنهم كانوا أدنى الكفار منهم إليهم ، وأشدهم عليهم يومئذ مع كثرة عددهم وقلة عدد المسلمين . وأما قوله :
فَآواكُمْ
فإنه يعني : آواكم المدينة ، وكذلك قوله :
وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ
بالأنصار . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
فَآواكُمْ
قال : إلى الأنصار بالمدينة .
وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ
وهؤلاء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أيدهم بنصره يوم بدر . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة :
فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
يعني بالمدينة . القول في تأويل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله ورسوله من أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله
لا تَخُونُوا اللَّهَ
. وخيانتهم الله ورسوله كانت بإظهار من أظهر منهم لرسول الله صلى الله عليه