تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
أمركم ونهاكم هو ورسوله أن تضيعوه ، وأن لا تستجيبوا لرسوله إذا دعاكم لما يحييكم ، فيوجب ذلك سخطه ، وتستحقوا به أليم عذابه حين تحشرون إليه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله : اتقوا أيها المؤمنون فتنة ، يقول : اختبارا من الله يختبركم ، وبلاء يبتليكم ، لا تصيبن هذه الفتنة التي حذرتكموها الذين ظلموا ، وهم الذين فعلوا ما ليس لهم فعله ، إما إجرام أصابوها وذنوب بينهم وبين الله ركبوها ، يحذرهم جل ثناؤه أن يركبوا له معصية أو يأتوا مأثما يستحقون بذلك منه عقوبة . وقيل : إن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الذين عنوا بها . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن إبراهيم ، قال : ثنا الحسن بن أبي جعفر ، قال : ثنا داود بن أبي هند ، عن الحسن ، في قوله :
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
قال : نزلت في علي وعثمان وطلحة والزبير ، رضي الله عنهم . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر :
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
قال قتادة : قال الزبير بن العوام : لقد نزلت وما نرى أحدا منا يقع بها ، ثم خصتنا في إصابتنا خاصة . حدثني المثنى ، قال : ثنا زيد بن عوف أبو ربيعة ، قال : ثنا حماد ، عن حميد ، عن الحسن ، أن الزبير بن العوام ، قال : نزلت هذه الآية :
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
وما نظننا أهلها ، ونحن عنينا بها . حدثني المثنى قال : ثنا قبيصة ، عن سفيان ، عن الصلت بن دينار ، عن ابن صبهان ، قال : سمعت الزبير بن العوام يقول : قرأت هذه الآية زمانا وماأرانا من أهلها ، فإذا نحن المعنيون بها
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
قال : هذه نزلت في أهل بدر خاصه ، وأصابتهم يوم الجمل فاقتتلوا . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن ابن أبي خالد ، عن السدي :
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
قال : أصحاب الجمل . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنا معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس :
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
قال : أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب . حدثني المثنى قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
قال : هي أيضا لكم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
قال : الفتنة : الضلالة . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن المسعودي ، عن القاسم ، قال : قال عبد الله : ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على فتنة ، إن الله يقول :
أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
فليستعذ بالله من مضلات الفتن . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، قال : قال الزبير : لقد خوفنا بها ، يعني قوله :
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
. واختلف أهل العربية في تأويل ذلك ، فقال بعض نحويي البصرة :
اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا
قوله : لا تصيبن ، ليس بجواب ، ولكنه نهي بعد أمر ، ولو كان جوابا ما دخلت النون . وقال بعض نحويي الكوفة : قوله :
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا
أمرهم ثم نهاهم ، ومنكم ظرف من الجزاء وإن كان نهيا . قال : ومثله قوله :
يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ
أمرهم ثم نهاهم ، وفيه تأويل الجزاء . وكأن معنى الكلام عنده : اتقوا فتنة إن لم تتقوها أصابتكم . وأما قوله :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
فإنه تحذير من الله ووعيد لمن واقع الفتنة التي حذره إياها بقوله :
وَاتَّقُوا فِتْنَةً
، يقول : اعلموا أيها المؤمنون أن ربكم شديد عقابه لمن اقتتن بظلم نفسه وخالف أمره ، فأثم به . القول في تأويل قوله تعالى :
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ