سمعنا بآذاننا وهم لا يسمعون ؛ يقول : وهم لا يعتبرون ما يسمعون بآذانهم . ولا ينتفعون به لإعراضهم عنه ، وتركهم أن يوعوه قلوبهم ويتدبروه ؛ فجعلهم الله لما لم ينتفعوا بمواعظ القرآن وإن كانوا قد سمعوها بأذانهم ، بمنزلة من لم يسمعها . يقول جل ثناؤه لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تكونوا أنتم في الإعراض عن أمر رسول الله وترك الانتهاء إليه وأنتم تسمعونه بآذانكم كهؤلاء المشركين الذين يسمعون مواعظ كتاب الله بآذانهم ، ويقولون : قد سمعنا ، وهم عن الاستماع لها والاتعاظ بها معرضون ، كمن لم يسمعها . وكان ابن إسحاق يقول في ذلك ، ما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ
أي كالمنافقين الذين يظهرون له الطاعة ، ويسرون المعصية . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله :
وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ
قال : عاصون حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . وللذي قال ابن إسحاق وجه ، ولكن قوله :
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ
في سياق قصص المشركين ، ويتلوه الخبر عنهم بذمهم ، وهو قوله :
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ
فلأن يكون ما بينهما خبرا عنهم أولى من أن يكون خبرا عن غيرهم . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ
يقول تعالى ذكره : إن شر ما دب على الأرض من خلق الله عند الله الذين يصغون عن الحق لئلا يستمعوه فيعتبروا به ويتعظوا به وينكصون عنه إن نطقوا به ، الذين لا يعقلون عن الله أمره ونهيه ، فيستعملوا بهما أبدانهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ
قال : الدواب :
الخلق . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، عن عكرمة ، قال : وكانوا يقولون : إنا صم بكم عما يدعونا إليه محمد ، لا نسمعه منه ، ولا نجيبه به بتصديق . فقتلوا جميعا بأحد ، وكانوا أصحاب اللواء . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : الصم البكم : الذين لا يعقلون ، قال : الذين لا يتبعون الحق . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ
وليس بالأصم في الدنيا ولا بالأبكم ، ولكن صم القلوب وبكمها وعميها . وقرأ :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
. واختلف فيمن عني بهذه الآية ، فقال بعضهم : عني بها نفر من المشركين . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : قال ابن عباس : الصم البكم الذين لا يعقلون : نفر من بني عبد الدار ، لا يتبعون الحق . حدثني المثنى قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ
قال : لا يتبعون الحق .
قال : قال ابن عباس : هم نفر من بني عبد الدار . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، نحوه . وقال آخرون : عني بها المنافقون . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ
لا يعرفون ما عليهم في ذلك من النعمة والسعة . وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال بقول ابن عباس ، وأنه عني بهذه الآية مشركو قريش ، لأنها في سياق الخبر عنهم . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ
اختلف أهل التأويل ، فيمن عني بهذه الآية وفي معناها ، فقال بعضهم : عني بها المشركون ، وقال : معناه أنهم لو رزقهم الله الفهم لما أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم لم يؤمنوا به ، لأن الله قد حكم عليهم أنهم لا يؤمنون . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال :