تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
يقول تعالى ذكره : لم يجعل الله إرداف الملائكة بعضها بعضا وتتابعها بالمصير إليكم أيها المؤمنون مددا لكم إلا بشرى لكم : أي بشارة لكم تبشركم بنصر الله إياكم على أعدائكم .
وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ
يقول : ولتسكن قلوبكم بمجيئها إليكم ، وتوقن بنصرة الله لكم ،
وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
يقول : وما تنصرون على عدوكم أيها المؤمنون إلا أن ينصركم الله عليهم ، لا بشدة بأسكم وقواكم ، بل بنصر الله لكم ، لأن ذلك بيده وإليه ، ينصر من يشاء من خلقه .
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
يقول : إن الله الذي ينصركم وبيده نصر من يشا من خلقه عزيز لايقهره شئ ولايغلبه غالب ، بل يقهر كل شيء ويغلبه ، لأنه خلقه حكيم ، يقول : حكيم في تدبيره ونصره من نصر ، وخذلانه من خذل من خلقه ، لا يدخل تدبيره وهن ولا خلل . وروي عن عبد الله بن كثير ، عن مجاهد في ذلك ما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج عن ابن جريج ، قال : أخبرني ابن كثير انه سمع مجاهد أيقول : ما مد النبي صلى الله عليه وسلم مما ذكر الله غير ألف من الملائكة مردفين ، وذكر الثلاثة والخمسة بشرى ، ما مدوا بأكثر من هذه الألف الذي ذكر الله عز وجل في الأنفال . وأما الثلاثة والخمسة ، فكانت بشرى . وقد أتينا على ذلك امداد الملائكة في سورة آل عمران بما فيه الكفاية . القول في تأويل قوله تعالى :
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى
يقول تعالى ذكره : ولتطمئن به قلوبكم إذ يغشيكم النعاس . ويعني بقوله :
يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ
يلقي عليكم النعاس ،
أَمَنَةً
يقول : أمانا من الله لكم من عدوكم أن يغلبكم ، وكذلك النعاس في الحرب أمنة من الله عز وجل . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا سفيان ، عن عاصم ، عن أبي رزين ، عن عبد الله ، قال : النعاس في القتال أمنة من الله عز وجل ، وفي الصلاة من الشيطان . حدثني الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، في قوله : يغشاكم النعاس أمنة منه ، عن عاصم ، عن أبي رزين ، عن عبد الله ، بنحوه ، قال : قال عبد الله : فذكر مثله . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن أبي رزين ، عن عبد الله بنحوه . والأمنة : مصدر من قول القائل : أمنت من كذا أمنة وأمانا وأمنا ، وكل ذلك بمعنى واحد . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
أَمَنَةً مِنْهُ
أمانا من الله عز وجل . حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
أَمَنَةً
قال : أمنا من الله . حدثني يونس ، قال : ثنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ
قال : أنزل الله عز وجل النعاس أمنة من الخوف الذي أصابهم يوم أحد . فقرأ :
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً
. واختلفت القراء في قراءة قوله : " إذ يغشاكم النعاس أمنة منه " فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة " يغشيكم النعاس " بضم الياء وتخفيف الشين ونصب " النعاس " ، من أغشاهم الله النعاس ، فهو يغشيهم . وقرأته عامة قراء الكوفيين :
يُغَشِّيكُمُ
بضم الياء وتشديد الشين من غشاهم الله النعاس ، فهو يغشيهم . وقرأ ذلك بعض المكيين والبصريين : " يغشاكم النعاس " بفتح الياء ورفع " النعاس " ، بمعنى غشيهم النعاس ، فهو يغشاهم ؛ واستشهد هؤلاء لصحة قراءتهم كذلك بقوله في آل عمران :
يَغْشى طائِفَةً
. وأولى ذلك بالصواب :
إِذْ يُغَشِّيكُمُ
على ما ذكرت من قراءة الكوفيين ، لإجماع جميع القراء على قراءة قوله :
وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً
بتوجيه ذلك إلى أنه من فعل الله عز وجل ، فكذلك الواجب أن يكون كذلك :
يُغَشِّيكُمُ
إذ كان قوله :
وَيُنَزِّلُ
عطفا على " يغشي " ، ليكون الكلام متسقا على نحو واحد . وأما قوله :
وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ
فإن ذلك مطر