أنزله الله من السماء يوم بدر ، ليطهر به المؤمنين لصلاتهم ؛ لأنهم كانوا أصبحوا يومئذ مجنبين على غير ماء ؛ فلما أنزل الله عليهم الماء اغتسلوا وتطهروا . وكان الشيطان وسوس لهم بما حزنهم به من إصباحهم مجنبين على غير ماء ، فأذهب الله ذلك من قلوبهم بالمطر فذلك ربطه على قلوبهم وتقويته أسبابهم وتثبيته بذلك المطر أقدامهم ، لأنهم كانوا التقوا مع عدوهم على رملة هشاء فلبدها المطر حتى صارت الأقدام عليها ثابتة لا تسوخ فيها ، توطئة من الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام وأوليائه أسباب التمكن من عدوهم والظفر بهم . وبمثل الذي قلنا ، تتابعت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من أهل العلم . ذكر الأخبار الواردة بذلك : حدثنا هارون بن إسحاق ، قال : ثنا مصعب بن المقدام ، قال : ثنا إسرائيل ، قال : ثنا أبو إسحاق ، عن حارثة ، عن علي رضي الله عنه ، قال : أصابنا من الليل طش من المطر يعني الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر فانطلقنا تحت الشجر والحجف ، نستظل تحتها من المطر ، وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه :
" اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض " فلما أن طلع الفجر نادى : الصلاة عباد الله ، فجاء الناس من تحت الشجر والحجف ، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحرض على القتال . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا حفص بن غياث وأبو خالد ، عن داود ، عن سعيد بن المسيب :
ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ
قال : طش يوم بدر . حدثني الحسن بن يزيد ، قال : ثنا حفص ، عن داود ، عن سعيد ، بنحوه . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا محمد بن أبي عدي وعبد الأعلى ، عن داود ، عن الشعبي وسعيد بن المسيب ، قالا : طش يوم بدر . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن داود ، عن الشعبي وسعيد بن المسيب في هذه الآية :
يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ، وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ
قالا : طش كان يوم بدر ، فثبت الله به الأقدام . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : " إذ يغشاكم النعاس أمنة منه . . . " الآية ، ذكر لنا أنهم مطروا يومئذ حتى سال الوادي ماء ، واقتتلوا على كثيب أعفر ، فلبده الله بالماء ، وشرب المسلمون وتوضئوا وسقوا ، وأذهب الله عنهم وسواس الشيطان . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قال : نزل النبي صلى الله عليه وسلم يعني حين سار إلى بدر والمسلمون بينهم وبين الماء رملة دعصة فأصاب المسلمين ضعف شديد ، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ ، فوسوس بينهم : تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله ، وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تصلون مجنبين فأمطر الله عليهم مطرا شديدا ، فشرب المسلمون وتطهروا ، وأذهب الله عنهم رجز الشيطان . وثبت الرمل حين أصابه المطر ، ومشى الناس عليه والدواب فساروا إلى القوم ، وأمد الله نبيه بألف من الملائكة ، فكان جبريل عليه السلام في خمسمائة من الملائكة مجنبة ، وميكائيل في خمسمائة مجنبة . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال :
ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " إذ يغشاكم النعاس أمنة منه " إلى قوله :
وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ
وذلك أن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير ويقاتلوا عنها ، نزلوا على الماء يوم بدر ، فغلبوا المؤمنين عليه ، فأصاب المؤمنين الظمأ ، فجعلوا يصلون مجنبين محدثين ، حتى تعاظم ذلك في صدور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأنزل الله من السماء ماء حتى سال الوادي ، فشرب المسلمون وملئوا الأسقية ، وسقوا الركاب واغتسلوا من الجنابة ، فجعل الله في ذلك طهورا ، وثبت الأقدام .
وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة فبعث الله عليها المطر . فضربها حتى اشتدت ، وثبتت عليها الأقدام . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ، فسبقهم المشركون إلى ماء بدر ، فنزلوا عليه ، انصرف أبو سفيان وأصحابه تلقاء البحر ، فانطلقوا . قال : فنزلوا على أعلى الوادي ، ونزل محمد صلى الله عليه وسلم