تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
قد قتل ؛ والثانية : حين رجع الكفار فضربوهم مدبرين ، حتى قتلوا منهم سبعين رجلا ، ثم انحازوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعلوا يصعدون في الجبل ، والرسول يدعوهم في أخراهم . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، نحوه . وقال آخرون : بل غمهم الأول كان قتل من قتل منهم ، وجرح من جرح منهم ؛ والغم الثاني : كان من سماعهم صوت القائل : قتل محمد صلى الله عليه وسلم . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسين بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله :
غَمًّا بِغَمٍّ
قال : الغم الأول : الجراح والقتل ؛ والغم الثاني : حين سمعوا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد قتل . فأنساهم الغم الآخر ما أصابهم من الجراح والقتل وما كانوا يرجون من الغنيمة ، وذلك حين يقول :
لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ
حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع :
فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ
قال : الغم الأول : الجراح والقتل ؛ والغم الآخر : حين سمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل . فأنساهم الغم الآخر ما أصابهم من الجراح والقتل ، وما كانوا يرجون من الغنيمة ، وذلك حين يقول الله :
لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ
وقال آخرون : بل الغم الأول ما كان فاتهم من الفتح والغنيمة ؛ والثاني إشراف أبي سفيان عليهم في الشعب . وذلك أن أبا سفيان فيما زعم بعض أهل السير لما أصاب من المسلمين ما أصاب ، وهرب المسلمون ، جاء حتى أشرف عليهم وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب أحد الذي كانوا ولوا إليه عند الهزيمة ، فخافوا أن يصطلمهم أبو سفيان وأصحابه . ذكر الخبر بذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة ، فلما رأوه ، وضع رجل سهما في قوسه ، فأراد أن يرميه ، فقال : " أنا رسول الله " ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا ، وفرح رسول الله حين رأى أن في أصحابه من يمتنع . فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذهب عنهم الحزن ، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه ، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا . فأقبل أبو سفيان حتى أشرف عليهم ؛ فلما نظروا إليه ، نسوا ذلك الذي كانوا عليه ، وهمهم أبو سفيان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس لهم أن يعلونا ، اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تعبد " ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم ، فقال أبو سفيان يومئذ : اعل هبل حنظلة بحنظلة ، ويوم بيوم بدر . وقتلوا يومئذ حنظلة بن الراهب وكان جنبا فغسلته الملائكة ، وكان حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر ؛ قال أبو سفيان : لنا العزى ، ولا عزى لكم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر : " قل الله مولانا ولا مولى لكم " . فقال أبو سفيان : فيكم محمد ؟ قالوا : نعم ، قال : أما إنها قد كانت فيكم مثلة ، ما أمرت بها ، ولا نهيت عنها ، ولا سرتني ، ولاساءتني . فذكر الله إشراف أبي سفيان عليهم ، فقال :
فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ
الغم الأول : ما فاتهم من الغنيمة والفتح ؛ والغم الثاني : إشراف العدو عليهم ، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة ، ولا ما أصابكم من القتل حين تذكرون ، فشغلهم أبو سفيان . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثني ابن شهاب الزهري ، ومحمد بن يحيى بن حبان ، وعاصم بن عمر بن قتادة ، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ ، وغيرهم من علمائنا فيما ذكروا من حديث أحد ، قالوا : كان المسلمون في ذلك اليوم لما أصابهم فيه من شدة البلاء أثلاثا : ثلث قتيل ، وثلث جريح ، وثلث منهزم ، وقد بلغته الحرب حتى ما يدري ما يصنع ، وحتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدث بالحجارة حتى