تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
عن السدي ، عن عبد خير ، قال : قال ابن مسعود : ما كنت أظن أن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ أحدا يريد الدنيا حتى قال الله ما قال . حدثنا عن عمار ، عن ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، قال : قال عبد الله بن مسعود لما رآهم وقعوا في الغنائم : ما كنت أحسب أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى كان اليوم . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : كان ابن مسعود يقول : ما شعرت أن أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يومئذ . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق
مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا
أي الذين أرادوا النهب رغبة في الدنيا وترك ما أمروا به من الطاعة التي عليها ثواب الآخرة ،
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
أي الذين جاهدوا في الله لم يخالفوا إلى ما نهوا عنه لعرض من الدنيا رغبة في رجاء ما عند الله من حسن ثوابه في الآخرة . القول في تأويل قوله تعالى :
ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ
يعني بذلك جل ثناؤه : ثم صرفكم أيها المؤمنون عن المشركين بعد ما أراكم ما تحبون فيهم ، وفي أنفسكم من هزيمتكم إياهم ، وظهوركم عليهم ، فرد وجوهكم عنهم لمعصيتكم أمر رسولي ، ومخالفتكم طاعته ، وإيثاركم الدنيا على الآخرة ، عقوبة لكم على ما فعلتم ، ليبتليكم ، يقول : ليختبركم ، فيتميز المنافق منكم من المخلص ، الصادق في إيمانه منكم . كما : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : ثم ذكر حين مال عليهم خالد بن الوليد :
ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن مبارك ، عن الحسن في قوله :
ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ
قال : صرف القوم عنهم ، فقتل من المسلمين بعدة من أسروا يوم بدر ، وقتل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكسرت رباعيته ، وشج في وجهه ، وكان يمسح الدم عن وجهه ، ويقول : " كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم ؟ " ؛ فنزلت :
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
الآية ، فقالوا : أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدنا النصر ؟ فأنزل الله عز وجل :
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ
إلى قوله :
ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ
أي صرفكم عنهم ليختبركم ، وذلك ببعض ذنوبكم . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
يعني بقوله جل ثناؤه :
وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ
ولقد عفا الله أيها المخالفون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتاركون طاعته ، فيما تقدم إليكم من لزوم الموضع الذي أمركم بلزومه عنكم ، فصفح لكم من عقوبة ذنبكم الذي أتيتموه عما هو أعظم مما عاقبكم به من هزيمة أعدائكم إياكم ، وصرف وجوهكم عنهم إذ لم يستأصل جمعكم . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن مبارك ، عن الحسن ، في قوله :
وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ
قال : قال الحسن وصفق بيديه : وكيف عفا عنهم وقد قتل منهم سبعون ، وقتل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكسرت رباعيته ، وشج في وجهه ؟ قال : ثم يقول : قال الله عز وجل : قد عفوت عنكم إذ عصيتموني أن لا أكون استأصلتكم . قال : ثم يقول الحسن : هؤلاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي سبيل الله غضاب لله ، يقاتلون أعداء الله ، نهوا عن شيء فصنعوه ، فوالله ما تركوا حتى غموا بهذا الغم ، فأفسق الفاسقين اليوم يتجرأ على كل كبيرة ، ويركب كل داهية ، ويسحب عليها ثيابه ، ويزعم أن لا بأس عليه ، فسوف يعلم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله :
وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ
قال : لم يستأصلكم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ
ولقد عفا الله عن عظيم ذلك لم يهلككم بما أتيتم من معصية نبيكم ، ولكن عدت بفضلي عليكم . وأما قوله :
وَاللَّهُ
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 86 | محمد بن جرير الطبري