تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
عن ابن جريج ، قال : أخبرني عبد الله بن كثير ، عن عبيد بن عمير ، قال : جاء أبو سفيان بن حرب ، ومن معه ، حتى وقف بالشعب ، ثم نادى : أفي القوم ابن أبي كبشة ؟ فسكتوا ، فقال أبو سفيان : قتل ورب الكعبة ، ثم قال : أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ فسكتوا ، فقال : قتل ورب الكعبة ثم قال : أفي القوم عمر بن الخطاب ؟ فسكتوا ، فقال : قتل ورب الكعبة ثم قال أبو سفيان : اعل هبل ، يوم بيوم بدر ، وحنظلة بحنظلة ، وأنتم واجدون في القوم مثلا لم يكن عن رأي سراتنا وخيارنا ، ولم نكرهه حين رأيناه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب : " قم فناد فقل : الله أعلى وأجل ، نعم هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا أبو بكر ، وها أنا ذا ؛ لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة ، أصحاب الجنة هم الفائزون ، قتلانا في الجنة ، وقتلاكم في النار " . وقال آخرون في ذلك بما : حدثني به محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس :
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ
فرجعوا فقالوا : والله لنأتينهم ، ثم لنقتلنهم ، قد خرجوا منا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مهلا فإنما أصابكم الذي أصابكم من أجل أنكم عصيتموني " . فبينما هم كذلك ، إذ أتاهم القوم ، قد أنسوا ، وقد اخترطوا سيوفهم ، فكان غم الهزيمة وغمهم حين أتوهم ؛
لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ
من القتل
وَلا ما أَصابَكُمْ
من الجراحة
فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا
الآية ، وهو يوم أحد . وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال : معنى قوله :
فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ
أيها المؤمنون بحرمان الله إياكم غنيمة المشركين ، والظفر بهم ، والنصر عليهم ، وما أصابكم من القتل والجراح يومئذ بعد الذي كان قد أراكم في كل ذلك ما تحبون بمعصيتكم ربكم ، وخلافكم أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم ، غم ظنكم أن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قتل ، وميل العدو عليكم بعد فلولكم منهم . والذي يدل على أن ذلك أولى بتأويل الآية مما خالفه ، قوله :
لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ
والفائت لا شك أنه هوما كانوا رجوا الوصول إليه من غيرهم ، إما من ظهور عليهم بغلبهم ، وإما من غنيمة يحتازونها ، وأن قوله :
وَلا ما أَصابَكُمْ
هو ما أصابهم إما في أبدانهم ، وإما في إخوانهم . فإن كان ذلك كذلك ، فمعلوم أن الغم الثاني هو معنى غير هذين ، لأن الله عز وجل أخبر عباده المؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه ثابهم غما بغم ، لئلا يحزنهم ما نالهم من الغم الناشئ عما فاتهم من غيرهم ، ولا ما أصابهم قبل ذلك في أنفسهم ، وهو الغم الأول على ما قد بيناه قبل . وأما قوله :
لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ
فإن تأويله على ما قد بينت من أنه لكيلا تحزنوا على ما فاتكم فلم تدركوه مما كنتم ترجون إدراكه من عدوكم بالظفر عليهم والظهور وحيازة غنائمهم ، ولا ما أصابكم في أنفسكم من جرح من جرح وقتل من قتل من إخوانكم . وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل فيه قبل على السبيل التي اختلفوا فيه ، كما : حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ
قال : على ما فاتكم من الغنيمة التي كنتم ترجون ،
وَلا ما أَصابَكُمْ
من الهزيمة . وأما قوله :
وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
فإنه يعني جل ثناؤه : والله بالذي تعملون أيها المؤمنون من إصعادكم في الوادي هربا من عدوكم ، وانهزامكم منهم ، وترككم نبيكم وهو يدعوكم في أخراكم ، وحزنكم على ما فاتكم من عدوكم ، وما أصابكم في أنفسهم ذو خبرة وعلم ، وهو محص ذلك كله عليكم حتى يجازيكم به المحسن منكم بإحسانه ، والمسئ بإساءته ، أو يعفو عنه .