تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
الحجة على أن ذلك هو القراءة الصحيحة . ففي إجماعها على ذلك الدليل الواضح على أن أولى التأويلين بالآية تأويل من قال : اصعدوا في الوادي ، ومضوا فيه ، دون قول من قال : صعدوا على الجبل . وأما قوله :
وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ
فإنه يعني : ولا تعطفون على أحد منكم ، ولا يلتفت بعضكم إلى بعض هربا من عدوكم مصعدين في الوادي . ويعني بقوله :
وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوكم أيها المؤمنون به من أصحابه في أخراكم ، يعني أنه يناديكم من خلفكم : " إلي عباد الله ، إلي عباد الله " . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس :
وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ
إلي عباد الله ارجعوا ، إلي عباد الله ارجعوا . حدثنا بشر قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ
رأوا نبي الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم : إلي عباد الله حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، مثله . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : أنبهم الله بالفرار عن نبيهم صلى الله عليه وسلم ، وهو يدعوهم لا يعطفون عليه لدعائه إياهم ، فقال :
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ
حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ
هذا يوم أحد حين انكشف الناس عنه . القول في تأويل قوله تعالى :
فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ
يعني بقوله جل ثناؤه :
فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ
يعني : فجازاكم بفراركم عن نبيكم ، وفشلكم عن عدوكم ، ومعصيتكم ربكم غما بغم ، يقول : غما على غم . وسمى العقوبة التي عاقبهم بها من تسليط عدوهم عليهم حتى نال منهم ما نال ثوابا ، إذ كان ذلك من عملهم الذي سخطه ولم يرضه منهم ، فدل بذلك جل ثناؤه أن كل عوض كالمعوض من شيء من العمل ، خيرا كان أو شرا ، أو العوض الذي بذله رجل لرجل أو يد سلفت له إليه ، فإنه مستحق اسم ثواب كان ذلك العوض تكرمة أو عقوبة ، ونظير ذلك قول الشاعر :
أخاف زيادا أن يكون عطاؤه * أداهم سودا أو محدرجة سمرا
فجعل العطاء العقوبة ، وذلك كقول القائل لآخر سلف إليه منه مكروه : لأجازينك على فعلك ، ولأثيبنك ثوابك . وأما قوله :
غَمًّا بِغَمٍّ
فإنه قيل : غما بغم ، معناه : غما على غم ، كما قيل :
وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ
بمعنى : ولأصلبنكم على جذوع النخل . وإنما جاز ذلك ، لأن معنى قول القائل : أثابك الله غما على غم : جزاك الله غما بعد غم تقدمه ، فكان كذلك معنى : فأثابكم غما بغم ، لأن معناه : فجزاكم الله غما بعقب غم تقدمه ، وهو نظير قول القائل : نزلت ببني فلان ، ونزلت على بني فلان ، وضربته بالسيف ، وعلى السيف . واختلف أهل التأويل في الغم الذي أثيب القوم على الغم ، وما كان غمهم الأول والثاني ، فقال بعضهم : أما الغم الأول ، فكان ما تحدث به القوم أن نبيهم صلى الله عليه وسلم قد قتل . وأما الغم الآخر ، فإنه كان ما نالهم من القتل والجراح . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ
كانوا تحدثوا يومئذ أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أصيب ، وكان الغم الآخر قتل أصحابهم والجراحات التي أصابتهم ؛ قال : وذكر لنا أنه قتل يومئذ سبعون رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة وستون رجلا من الأنصار ، وأربعة من المهاجرين . وقوله :
لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ
يقول : ما فاتكم من غنيمة القوم ، ولا ما أصابكم في أنفسكم من القتل والجراحات . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله :
فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ
قال : فرة بعد فرة ، الأولى : حين سمعوا الصوت أن محمدا
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 88 | محمد بن جرير الطبري