القول في تأويل قوله تعالى :
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ
يعني بذلك جل ثناؤه : ثم أنزل الله أيها المؤمنون من بعد الغم الذي أثابكم ربكم بعد غم يقدمه قبله أمنه ، وهي الأمان على أهل الإخلاص منكم واليقين ، دون أهل النفاق والشك . ثم بين جل ثناؤه عن الأمنة التي أنزلها عليهم ما هي ؟ فقال : نعاسا ، بنصب النعاس على الإبدال من الأمنة . ثم اختلفت القراء في قراءة قوله :
يَغْشى
فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والمدينة والبصرة وبعض الكوفيين بالتذكير بالياء :
يَغْشى
. وقرأ جماعة من قراء الكوفيين بالتأنيث : " تغشى " بالتاء . وذهب الذين قرءوا ذلك بالتذكير إلى أن النعاس هو الذي يغشى الطائفة من المؤمنين دون الأمنة ، فذكره بتذكير النعاس . وذهب الذين قرءوا ذلك بالتأنيث إلى أن الأمنة هي التي تغشاهم ، فأنثوه لتأنيث الأمنة . والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قراء الأمصار غير مختلفتين في معنى ولا غيره ، لأن الأمنة في هذا الموضع هي النعاس ، والنعاس : هو الأمنة . وسواء ذلك ، وبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب الحق في قراءته ، وكذلك جميع ما في القرآن من نظائره من نحو قوله :
إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ
و
أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ
فإن قال قائل : وما كان السبب الذي من أجله افترقت الطائفتان اللتان ذكرهما الله عز وجل فيما افترقتا فيه من صفتهما ، فآمنت إحداهما بنفسها حتى نعست ، وأهمت الأخرى نفسها حتى ظنت بالله غير الحق ظن الجاهلية ؟ قيل : كان سبب ذلك فيما ذكر لنا ، كما : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل قال : ثنا أسباط ، عن السدي : أن المشركين انصرفوا يوم أحد بعد الذي كان من أمرهم وأمر المسلمين ؛ فواعدوا النبي صلى الله عليه وسلم بدرا من قابل ، فقال لهم : " نعم " فتخوف المسلمون أن ينزلوا المدينة ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا ، فقال : " انظر فإن رأيتهم قعدوا على أثقالهم وجنبوا خيولهم ، فإن القوم ذاهبون ، وإن رأيتهم قد قعدوا على خيولهم وجنبوا على أثقالهم ، فإن القوم ينزلون المدينة ، فاتقوا الله واصبروا " ووطنهم على القتال ؛ فلما أبصرهم الرسول تعدوا على الأثقال سراعا عجالا ، نادى بأعلى صوته بذهابهم ؛ فلما رأى المؤمنون ذلك صدقوا نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فناموا ، وبقي أناس من المنافقين يظنون أن القوم يأتونهم ، فقال الله جل وعز يذكر حين أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم إن كانوا ركبوا الأثقال فإنهم منطلقون فناموا :
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : أمنهم يومئذ بنعاس غشاهم ، وإنما ينعس من يأمن ؛
يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ
حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن حميد ، عن أنس بن مالك ، عن أبي طلحة ، قال : كنت فيمن أنزل عليه النعاس يوم أحد أمنة ، حتى سقط من يدي مرارا . قال أبو جعفر : يعني : سوطه ، أو سيفه . حدثنا عمرو بن علي ، قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : ثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، عن أبي طلحة ، قال : رفعت رأسي يوم أحد ، فجعلت ما أرى أحدا من القوم إلا تحت حجفته يميد من النعاس . حدثنا ابن بشار وابن المثنى ، قالا : ثنا أبو داود ، قال : ثنا عمران ، عن قتادة ، عن أنس ، عن أبي طلحة قال : كنت فيمن صب عليه النعاس يوم أحد . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : ثنا أنس بن مالك ، عن أبي طلحة : أنه كان يومئذ ممن غشيه النعاس ،