تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
بِإِذْنِهِ
فإنه يعني : بحكمي وقضائي لكم بذلك وتسليطي إياكم عليهم . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
إِذْ تَحُسُّونَهُمْ
بإذني وتسليطي أيديكم عليهم ، وكفي أيديهم عنكم . القول في تأويل قوله تعالى :
حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ
يعني بقوله جل ثناؤه :
حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ
حتى إذا جبنتم وضعفتم ،
وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ
بقول : واختلفتم في أمر الله ؛ يقول : وعصيتم وخالفتم نبيكم ، فتركتم أمره ، وما عهد إليكم . وإنما يعني بذلك الرماة الذين كان أمرهم صلى الله عليه وسلم بلزوم مركزهم ومقعدهم من فم الشعب بأحد ، بإزاء خالد بن الوليد ومن كان معه من فرسان المشركين الذين ذكرنا قبل أمرهم . وأما قوله :
مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ
فإنه يعني بذلك : من بعد الذي أراكم الله أيها المؤمنون بمحمد من النصر والظفر بالمشركين ، وذلك هو الهزيمة التي كانوا هزموهم عن نسائهم وأموالهم قبل ترك الرماة مقاعدهم التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقعدهم فيها ، وقبل خروج خيل المشركين على المؤمنين من ورائهم . وبنحو الذي قلنا تظاهرت الأخبار عن أهل التأويل ، وقد مضى ذكر بعض من قال ، وسنذكر قول بعض من لم يذكر قوله فيما مضى . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ
أي اختلفتم في الأمر ،
وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ
وذاكم يوم أحد ، عهد إليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم وأمرهم بأمر ، فنسوا العهد وجاوزوا وخالفوا ما أمرهم نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فانصرف عليهم عدوهم بعد ما أراهم من عدوهم ما يحبون . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ناسا من الناس يعني : يوم أحد فكانوا من ورائهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كونوا هاهنا فردوا وجه من قدمنا ، وكونوا حرسا لنا من قبل ظهورنا " وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هزم القوم هو وأصحابه ، اختلف الذين كانوا جعلوا من ورائهم ، فقال بعضهم لبعض لما رأوا النساء مصعدات في الجبل ، ورأوا الغنائم ، قالوا : انطلقوا إلى رسول الله صلى فأدركوا الغنيمة قبل أن تسبقوا إليها وقالت طائفة أخرى : بل نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنثبت مكاننا . فذلك قوله :
مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا
للذين أرادوا الغنيمة ،
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
للذين قالوا : نطيع رسول الله ونثبت مكاننا . فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فكان فشلا حين تنازعوا بينهم ؛ يقول :
وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ
كانوا قد رأوا الفتح والغنيمة . حدثت عن عمار ، عن ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع :
حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ
يقولا : جبنتم عن عدوكم ،
وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ
يقول : اختلفتم وعصيتم ،
مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ
وذلك يوم أحد ، قال لهم : " إنكم ستظهرون فلا أعرفن ما أصبتم من غنائمهم شيئا حتى تفرغوا " فتركوا أمر نبي الله صلى الله عليه وسلم وعصوا ، ووقعوا في الغنائم ، ونسوا عهده الذي عهده إليهم ، وخالفوا إلى غير ما أمرهم به ، فانصرف عليهم عدوهم من بعد ما أراهم فيهم ما يحبون . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج :
حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ
قال ابن جريج : قال ابن عباس : الفشل : الجبن . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ
من الفتح . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ
أي تخاذلتم ،
وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ
أي اختلفتم في أمري ،
وَعَصَيْتُمْ
أي تركتم أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم وما عهد إليكم ، يعني : الرماة .
مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ
أي الفتح لا شك فيه ، وهزيمة القوم عن نسائهم وأموالهم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 84 | محمد بن جرير الطبري