تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
بقوله :
يُوصِيكُمُ اللَّهُ
ثم ختم ذلك بقوله :
وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ
أخبر أن جميع ذلك وصية منه به عباده ، فنصب قوله :
وَصِيَّةٍ
على المصدر من قوله :
يُوصِيكُمُ
أولى من نصبه على التفسير من قوله :
فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ
لما ذكرنا . ويعني بقوله تعالى ذكره :
وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ
عهدا من الله إليكم فيما يجب لكم من ميراث من مات منكم .
وَاللَّهُ عَلِيمٌ
يقول : ذو علم بمصالح خلقه ومضارهم ، ومن يستحق أن يعطى من أقرباء من مات منكم وأنسبائه من ميراثه ، ومن يحرم ذلك منهم ، ومبلغ ما يستحق به كل من استحق منهم قسما ، وغير ذلك من أمور عباده ومصالحهم .
حَلِيمٌ
يقول : ذو حلم على خلقه ، وذو أناة في تركه معاجلتهم بالعقوبة على ظلم بعضهم بعضا في إعطائهم الميراث لأهل الجلد والقوة من ولد الميت وأهل الغناء والبأس منهم ، دون أهل الضعف والعجز من صغار ولده وإناثهم . القول في تأويل قوله تعالى :
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله :
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
، فقال بعضهم : يعني به : تلك شروط الله . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
يقول : شروط الله . وقال آخرون : بل معنى ذلك : تلك طاعة الله . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنا معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله :
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
يعني : طاعة الله ، يعني : المواريث التي سمي الله . وقال آخرون : معنى ذلك : تلك سنة الله وأمره . وقال آخرون : بل معنى ذلك : تلك فرائض الله . قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما نحن مبينوه ، وهو أن حد كل شيء ما فصل بينه وبين غيره ، ولذلك قيل لحدود الدار وحدود الأرضين : حدود ، لفصولها بين ما جد بها وبين غيره ، فكذلك قوله :
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
معناه : هذه القسمة التي قسمها لكم ربكم ، والفرائض التي فرضها لأحيائكم من موتاكم في هذه الآية على ما فرض وبين في هاتين الآيتين حدود الله ، يعني : فصول ما بين طاعة الله ومعصيته في قسمكم مواريث موتاكم ، كما قال ابن عباس . وإنما ترك طاعة الله ، والمعنى بذلك حدود طاعة الله اكتفاء بمعرفة المخاطبين بذلك بمعنى الكلام من ذكرها . والدليل على صحة ما قلنا في ذلك قوله :
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
والآية التي بعدها :
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
. فتأويل الآية إذا : هذه القسمة التي قسم بينكم أيها الناس عليها ربكم مواريث موتاكم ، فصول فصل بها لكم بين طاعته ومعصيته ، وحدود لكم تنتهون إليها فلا تتعدوها ، وفصل منكم أهل طاعته من أهل معصيته فيما أمركم به من قسمة مواريث موتاكم بينكم ، وفيما نهاكم عنه منها . ثم أخبر جل ثناؤه عما أعد لكل فريق منهم ، فقال لفريق أهل طاعته في ذلك :
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
في العمل بما أمره به والانتهاء إلى ما حده له في قسمة المواريث وغيرها ، ويجتنب ما نهاه عنه في ذلك وغيره ؛
يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
، فقوله :
يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ
يعني : بساتين تجري من تحت غروسها وأشجارها الأنهار .
خالِدِينَ فِيها
يقول : باقين فيها أبدا ، لا يموتون فيها ، ولا يفنون ، ولا يخرجون منها .
ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
يقول : وإدخال الله إياهم الجنان التي وصفها على ما وصف من ذلك الفوز العظيم يعني : الفلح العظيم . وبنحو ما قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا