في كل زمان : عنى الله جل ثناؤه بقوله :
فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ
اثنين كان الإخوة أو أكثر منهما ، أنثيين كانتا أو كن إناثا ، أو ذكرين كانا أو كانوا ذكورا ، أو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى . واعتل كثير ممن قال ذلك بأن ذلك قالته الأمة عن بيان الله جل ثناؤه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فنقلته أمة نبيه نقلا مستفيضا قطع العذر مجيئه ، ودفع الشك فيه عن قلوب الخلق وروده . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول : بل عنى الله جل ثناؤه بقوله :
فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ
جماعة أقلها ثلاثة .
وكان ينكر أن يكون الله جل ثناؤه حجب الأم عن ثلثها مع الأب بأقل من ثلاثة إخوة ، فكان يقول في أبوين وأخوين : للأم الثلث وما بقي فللأب ، كما قال أهل العلم في أبوين وأخ واحد . ذكر الرواية عنه بذلك : حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : ثنا ابن أبي فديك ، قال : ثني ابن أبي ذئب ، عن شعبة مولى ابن عباس ، عن ابن عباس : أنه دخل على عثمان رضي الله عنه ، فقال : لم صار الأخوان يردان الأم إلى السدس ، وإنما قال الله :
فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ
الفرائض والأخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة ؟
فقال عثمان رضي الله عنه : هل أستطيع نقض أمر كان قبلي ، وتوارثه الناس ، ومضى في الأمصار ؟ .
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي أن المعني بقوله :
فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ
اثنان من إخوة الميت فصاعدا ، على ما قاله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دون ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما ، لنقل الأمة وراثة صحة ما قالوه من ذلك عن الحجة وإنكارهم ما قاله ابن عباس في ذلك . فإن قال قائل : وكيف قيل في الأخوين إخوة ، وقد علمت أن للأخوين في منطق العرب مثالا لا يشبه مثال الإخوة في منطقها ؟ قيل : إن ذلك وإن كان كذلك ، فإن من شأنها التأليف بين الكلامين بتقارب معنييهما وإن اختلفا في بعض وجوههما . فلما كان ذلك كذلك ، وكان مستفيضا في منطقها منتشرا مستعملا في كلامها : ضربت من عبد الله وعمرو رءوسهما ، وأوجعت منهما ظهورهما ، وكان ذلك أشد استفاضة في منطقها من أن يقال : أوجعت منهما ظهرهما ، وإن كان مقولا : أوجعت ظهرهما كما قال الفرزدق :
بما في فؤادينا من الشوق والهوى * فيبرأ منهاض الفؤاد المشغف
غير أن ذلك وإن كان مقولا ، فأفصع منه : بما في أفئدتنا ، كما قال جل ثناؤه :
إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما
فلما كان ما وصفت من إخراج كل ما كان في الإنسان واحدا إذا ضم إلى الواحد منه آخر من إنسان آخر ، فصار اثنين من اثنين ، فلفظ الجمع أفصح في منطقها وأشهر في كلامها ، وكان الأخوان شخصين كل واحد منهما غير صاحبه من نفسين مختلفين أشبه معناهما معنى ما كان في الإنسان من أعضائه واحدا لا ثاني له ، فأخرج أنثييهما بلفظ أنثى العضوين اللذين وصفت ، فقيل إخوة في معنى الأخوين ، كما قيل ظهور في معنى الظهرين ، وأفواه في معنى فموين ، وقلوب في معنى قلبين . وقد قال بعض النحويين : إنما قيل إخوة ، لأن أقل الجمع اثنان ، وذلك أنه إذا ضم شيء إلى شيء صارا جميعا بعد أن كانا فردين فجمعا ، ليعلم أن الاثنين جمع . وهذا وإن كان كذلك في المعنى ، فليس بعلة تنبئ عن جواز إخراج ما قد جرى الكلام مستعملا مستفيضا على ألسن العرب لأثنينه بمثال ، وصورة غير مثال ثلاثة فصاعدا منه ، وصورتها ، لأن من قال أخواك قاما ، فلا شك أنه قد علم أن كل واحد من الأخوين فرد ضم أحدهما إلى الآخر ، فصارا جميعا بعد أن كانا شتى عنوان الأمر . وإن كان كذلك