مشوية . قال أبو جعفر : والفتح بذلك أولى من الضم لإجماع جميع القراء على فتح الياء في قوله :
لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى
ولدلالة قوله :
إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ
على أن الفتح بها أولى من الضم . وأما السعير : فإنه شدة حر جهنم ، ومنه قيل : استعرت الحرب : إذا اشتدت ، وإنما هو مسعور ، ثم صرف إلى سعير ، قيل : كف خضيب ، ولحية دهين ، وإنما هي مخضوبة صرفت إلى فعيل . فتأويل الكلام إذا : وسيصلون نارا مسعرة : أي موقودة مشعلة ، شديدا حرها . وإنما قلنا إن ذلك كذلك ، لأن الله جل ثناؤه قال :
وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ
فوصفها بأنها مسعورة ، ثم أخبر جل ثناؤه أن أكلة أموال اليتامى يصلونها ، وهي كذلك ، فالسعير إذا في هذا الموضع صفة للجحيم على ما وصفنا . القول في تأويل قوله تعالى :
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ
يعني جل ثناؤه بقوله :
يُوصِيكُمُ اللَّهُ
يعهد الله إليكم ،
فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ
الفرائض يقول يعهد إليكم ربكم إذا مات الميت منكم ، وخلف أولادا ذكورا وإناثا ، فلولده الذكور والإناث ميراثه أجمع بينهم ، للذكر منهم مثل حظ الأنثيين ، إذا لم يكن له وارث غيرهم ، سواء فيه صغار ولده وكبارهم وإناثهم في أن جميع ذلك بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين ورفع قوله : " مثل " ، بالصفة ، وهي اللام التي في قوله :
لِلذَّكَرِ
ولم ينصب بقوله :
يُوصِيكُمُ اللَّهُ
لأن الوصية في هذا الموضع عهد وإعلام بمعنى القول ، والقول لا يقع على الأسماء المخبر عنها ، فكأنه قيل : يقول الله تعالى ذكره : لكم في أولادكم للذكر منهم مثل حظ الأنثيين . وقد ذكر أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم تبيينا من الله الواجب من الحكم في ميراث من مات وخلف ورثة على ما بين ، لأن أهل الجاهلية كانوا لا يقسمون من ميراث الميت لأحد من ورثته بعده ممن كان لا يلاقي العدو ولا يقاتل في الحروب من صغار ولده ، ولا للنساء منهم ، وكانوا يخصون بذلك المقاتلة دون الذرية ، فأخبر الله جل ثناؤه أن ما خلفه الميت بين من سمى وفرض له ميراثا في هذه الآية وفي آخر هذه السورة ، فقال في صغار ولد الميت وكبارهم وإناثهم : لهم ميراث أبيهم إذا لم يكن له وارث غيرهم ، للذكر مثل حظ الأنثيين . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ
كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري ، ولا الصغار من الغلمان ، لا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال . فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر ، وترك امرأة يقال لها أم كحة وترك خمس أخوات أخوات عبد الرحمن ، فجاءت الورثة ورثة عبد الرحمن يأخذون ماله ، فشكت أم كحة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية :
فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ
ثم قال في أم كحة :
وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ
. حدثنا محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس :
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ
وذلك أنه لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين كرهها الناس أو بعضهم ، وقالوا : تعطى المرأة الربع والثمن ، وتعطى الابنة النصف ، ويعطى الغلام الصغير ، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم ولا يحوز الغنيمة اسكتوا عن هذا الحديث ، لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينساه ، أو نقول له فيغيره فقال بعضهم : يا رسول الله ، أنعطي الجارية نصف ما ترك أبوها ، وليست تركب الفرس ، ولا تقاتل القوم ، ونعطي الصبي الميراث ، وليس يغني شيئا ؟ وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية ، لا يعطون