تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
فلا تستجيز العرب في كلامها أن يقال : أخواك قاموا ، فيخرج قولهم : قاموا ، وهو لفظ للخبر عن الجميع خبرا عن الأخوين وهما بلفظ الاثنين ، لأن لكل ما جرى به الكلام على ألسنتهم مثالا معروفا عندهم ، وصورة إذا غير مغير ما قد عرفوه فيهم أنكروه ، فكذلك الأخوان وإن كان مجموعين ضم أحدهما إلى صاحبه ، فلهما مثال في المنطق ، وصورة غير مثال الثلاثة منهم فصاعدا وصورتهم ، فغير جائز أن يغير أحدهما إلى الآخر إلا بمعنى مفهوم . وإذا كان ذلك كذلك فلا قول أولى بالصحة مما قلنا قبل . فإن قال قائل : الفرائض ولم نقصت الأم عن ثلثها بمصير إخوة الميت معها اثنين فصاعدا ؟ قيل : اختلفت العلماء في ذلك ، فقال بعضهم : نقصت الأم عن ذلك دون الأب ، لأن على الأب مؤنهم دون أمهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ
الفرائض أنزلوا الأم ولا يرثون ، ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث ، ويحجبها ما فوق ذلك . وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم من الثلث ، لأن أباهم يلي نكاحهم ، والنفقة عليهم دون أمهم . وقال آخرون : بل نقصت الأم السدس وقصر بها على سدس واحد معونة لإخوة الميت بالسدس الذي حجبوا أمهم عنه الفرائض . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه طاوس ، عن ابن عباس ، قال : السدس الذي حجبته الإخوة الأم لهم إنما حجبوا أمهم عنه ليكون لهم دون أمهم الفرائض . وقد روي عن ابن عباس خلاف هذا القول ، وذلك ما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن الحسن بن محمد ، عن ابن عباس ، قال : الكلالة الفرائض : من لا ولد له ولا والد . قال أبو جعفر : وأولى ذلك بالصواب أن يقال في ذلك الفرائض : إن الله تعالى ذكره فرض للأم مع الإخوة السدس لما هو أعلم به من مصلحة خلقه . وقد يجوز أن يكون ذلك كان لما ألزم الآباء لأولادهم ، وقد يجوز أن يكون ذلك لغير ذلك ، وليس ذلك مما كلفنا علمه ، وإنما أمرنا بالعمل بما علمنا . وأما الذي روي عن طاوس عن ابن عباس ، فقول لما عليه الأمة مخالف ، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أن لا ميراث لأخي ميت مع والده ، فكفى إجماعهم على خلافه شاهدا على فساده . القول في تأويل قوله تعالى :
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ
. يعني جل ثناؤه بقوله :
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ
أن الذي قسم الله تبارك وتعالى لولد الميت الذكور منهم والإناث ولأبويه من تركته من بعد وفاته ، إنما يقسمه لهم على ما قسمه لهم في هذه الآية من بعد قضاء دين الميت الذي مات وهو عليه من تركته ومن بعد تنفيذ وصيته في بابها ، بعد قضاء دينه كله . فلم يجعل تعالى ذكره لأحد من ورثة الميت ولا لأحد ممن أوصى له بشيء إلا من بعد قضاء دينه من جميع تركته ، وإن أحاط بجميع ذلك . ثم جعل أهل الوصايا بعد قضاء دينه شركاء ورثته فيما بقي لما أوصى لهم به ما لم يجاوز ذلك ثلثه ، فإن جاوز ذلك ثلثه جعل الخيار في إجازة ما زاد على الثلث من ذلك أو رده إلى ورثته ، إن أحبوا أجازوا الزيادة على ثلث ذلك ، وإن شاءوا ردوه ؛ فأما ما كان من ذلك إلى الثلث فهو ماض عليهم . وعلى كل ما قلنا من ذلك الأمة مجمعة . وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك خبر ، وهو ما : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن الحرث الأعور ، عن علي رضي الله عنه قال : إنكم تقرءون هذه الآية :
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي