شيء مكان آخر غيره ، يعطيه المأخوذ منه ، أو يجعله مكان الذي أخذ . فإذا كان ذلك معنى التبديل والاستبدال ، فمعلوم أن الذي قاله ابن زيد من أن معنى ذلك : هو أخذ أكبر ولد الميت جميع مال ميته ووالده دون صغارهم إلى ماله ، قول لا معنى له ، لأنه إذا أخذ الأكبر من ولده جميع ماله دون الأصاغر منهم ، فلم يستبدل مما أخذ شيئا . فما التبدل الذي قال جل ثناؤه :
وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ
ولم يبذل الآخذ مكان المأخوذ بدلا ؟ وأما الذي قاله مجاهد وأبو صالح من أن معنى ذلك لا تتعجل الرزق الحرام قبل مجيء الحلال ، فإنهما أيضا إن لم يكونا أرادا بذلك نحو القول الذي روي عن ابن مسعود أنه قال : إن الرجل ليحرم الرزق بالمعصية يأتيها ، ففساده نظير فساد قول ابن زيد ، لأن من استعجل الحرام فأكله ، ثم آتاه الله رزقه الحلال فلم يبدل شيئا مكان شيء ، وإن كانا أرادا بذلك أن الله جل ثناؤه نهى عباده أن يستعجلوا الحرام فيأكلوه قبل مجيء الحلال ، فيكون أكلهم ذلك سببا لحرمان الطيب منه ، فذلك وجه معروف ، ومذهب معقول يحتمله التأويل ، غير أن الأشبه في ذلك بتأويل الآية ما قلنا ، لأن ذلك هو الأظهر من معانيه ، لأن الله جل ثناؤه إنما ذكر ذلك في قصة أموال اليتامى وأحكامها ، فلا يكون ذلك من جنس حكم أول الآية ، فأخرجها من أن يكون من غير جنسه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ
. قال أبو جعفر : يعني بذلك تعالى ذكره : ولا تخلطوا أموالهم يعني : أموال اليتامى بأموالكم فتأكلوها مع أموالكم . كما : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله :
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ
يقول : لا تأكلوا أموالكم وأموالهم ، تخلطوها فتأكلوها جميعا . حدثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن مبارك ، عن الحسن ، قال : لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى ، كرهوا أن يخالطوهم ، وجعل ولي اليتيم يعزل مال اليتيم عن ماله ، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ
قال : فخالطوهم واتقوا . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً
. قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله :
إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً
إن أكلكم أموال أيتامكم مع أموالكم حوب كبير . والهاء في قوله " إنه " دالة على اسم الفعل ، أعني الأكل . وأما الحوب : فإنه الإثم ، يقال منه : حاب الرجل يحوب حوبا وحوبا وحيابة ، ويقال منه : قد تحوب الرجل من كذا ، إذا تأثم منه . ومنه قول أمية بن الأسكر الليثي :
وإن مهاجرين تكنفاه * غداتئذ لقد خطئا وحابا
ومنه قيل : نزلنا بحوبة من الأرض وبحيبة من الأرض : إذا نزلوا بموضع سوء منها . والكبير : العظيم ، فمعنى ذلك : إن أكلكم أموال اليتامى مع أموالكم ، إثم عند الله عظيم . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو وعمرو بن علي ، قالا : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله :
حُوباً كَبِيراً
قال : إثما . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال :
ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله :
إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً
قال : إثما عظيما . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
كانَ حُوباً
أما حوبا : فإثما . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله :
حُوباً
قال : إثما . حدثنا بشر