وهما قراءتان معروفتان ، ولغتان فصيحتان ، أعني التخفيف والتشديد في قوله :
تَسائَلُونَ بِهِ
، وبأي ذلك قرأ القارئ أصاب الصواب فيه ، لأن معنى ذلك بأي وجهيه قرئ غير مختلف . وأما تأويله :
وَاتَّقُوا اللَّهَ
أيها الناس ، الذي إذا سأل بعضكم بعضا سأل به ، فقال السائل للمسئول : أسألك بالله ، وأنشدك بالله ، وأعزم عليك بالله ، وما أشبه ذلك . يقول تعالى ذكره : فكما تعظمون أيها الناس ربكم بألسنتكم ، حتى تروا أن من أعطاكم عهده فأخفركموه ، فقد أتى عظيما ، فكذلك فعظموه بطاعتكم إياه فيما أمركم ، واجتنابكم ما نهاكم عنه ، واحذروا عقابه من مخالفتكم إياه فيما أمركم به أو نهاكم عنه . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله :
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ
قال : يقول : اتقوا الله الذي تعاقدون وتعاهدون به . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع :
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ
يقول : اتقوا الله الذي به تعاقدون وتعاهدون . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس ، مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : أخبرنا حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس :
تَسائَلُونَ بِهِ
قال : تعاطفون به . وأما قوله :
وَالْأَرْحامَ
فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله ، فقال بعضهم :
معناه : واتقوا الله الذي إذا سألتم بينكم ، قال السائل للمسئول : أسألك به وبالرحم . ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عمرو ، عن منصور ، عن إبراهيم :
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ
يقول : اتقوا الله الذي تعاطفون به والأرحام . يقول : الرجل يسأل بالله وبالرحم . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : هو كقول الرجل : أسألك بالله ، أسألك بالرحم . يعني قوله :
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ
. حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال :
ثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم :
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ
قال : يقول : أسألك بالله وبالرحم . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم : هو كقول الرجل : أسألك بالرحم .
حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ
قال : يقول : أسألك بالله وبالرحم . حدثني المثنى ، قال : ثنا الحماني ، قال : ثنا شريك ، عن منصور أو مغيرة ، عن إبراهيم في قوله :
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ
قال : هو قول الرجل : أسألك بالله والرحم . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن الحسن ، قال : هو قول الرجل : أنشدك بالله والرحم . قال محمد : وعلى هذا التأويل قول بعض من قرأ قوله : " والأرحام " بالخفض عطفا بالأرحام على الهاء التي في قوله " به " ، كأنه أراد : واتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام ، فعطف بظاهر على مكني مخفوض . وذلك غير فصيح من الكلام عند العرب لأنها لا تنسق بظاهر على مكني في الخفض إلا في ضرورة شعر ، وذلك لضيق الشعر ؛ وأما الكلام فلا شيء يضطر المتكلم إلى اختيار المكروه من المنطق والرديء في الإعراب منه . ومما جاء في الشعر من رد ظاهر على مكني في حال الخفض قول الشاعر :
نعلق في مثل السواري سيوفنا * وما بينها والكعب غوطنفانف
فعطف " الكعب " وهو ظاهر على الهاء والألف في قوله " بينها " وهي مكنية . وقال آخرون : تأويل ذلك :