تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا إسماعيل بن جعفر ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنحوه . وأولى التأويلات بتأويل الآية ، قول من قال في ذلك :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ، اصبروا على دينكم ، وطاعة ربكم ، وذلك أن الله لم يخصص من معاني الصبر على الدين والطاعة شيئا فيجوز إخراجه من ظاهر التنزيل . فلذلك قلنا إنه عنى بقوله :
اصْبِرُوا
الأمر بالصبر على جميع معاني طاعة الله فيما أمر ونهى ، صعبها وشديدها ، وسهلها وخفيفها .
وَصابِرُوا
يعني : وصابروا أعداءكم من المشركين . وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب ، لأن المعروف من كلام العرب في المفاعلة ، أن تكون من فريقين ، أو اثنين فصاعدا ، ولا تكون من واحد إلا قليلا في أحرف معدودة ، وإذ كان ذلك كذلك ، فإنما أمر المؤمنون أن يصابروا غيرهم من أعدائهم ، حتى يظفرهم الله بهم ، ويعلي كلمته ، ويخزي أعداءهم ، وأن لا يكن عدوهم أصبر منهم . وكذلك قوله
وَرابِطُوا
معناه : ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم من أهل الشرك في سبيل الله . وأرى أن أصل الرباط : ارتباط الخيل للعدو ، كما ارتبط عدوهم لهم خيلهم ، ثم استعمل ذلك في كل مقيم في ثغر ، يدفع عمن وراءه من أراده من أعدائهم بسوء ، ويحمي عنهم من بينه وبينهم ، ممن بغاهم بشر كان ذا خيل قد ارتبطها ، أو ذا رجلة لا مركب له . وإنما قلنا : معنى
وَرابِطُوا
ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم ، لأن ذلك هو المعنى المعروف من معاني الرباط . وإنما توجه الكلام إلى الأغلب المعروف في استعمال الناس من معانيه دون الخفي ، حتى يأتي بخلاف ذلك ما يوجب صرفه إلى الخفي من معانيه حجة يجب التسليم لها من كتاب أو خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو إجماع من أهل التأويل . القول في تأويل قوله تعالى :
وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
يعني بذلك تعالى ذكره : واتقوا الله أيها المؤمنون ، واحذروه أن تخالفوا أمره ، أو تتقدموا نهيه ،
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
يقول : لتفلحوا فتبقوا في نعيم الأبد ، وتنجحوا في طلباتكم عنده . كما : حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني أبو صخر ، عن محمد بن كعب القرظي أنه كان يقول في قوله :
وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
واتقوا الله فيما بيني وبينكم لعلكم تفلحون غدا إذا لقيتموني . آخر تفسير سورة آل عمران .

[ تفسير سورة النساء ]

القول في تفسير السورة التي يذكر فيها النساء
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ
قال أبو جعفر : يعني بقوله تعالى ذكره :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ
احذروا أيها الناس ربكم في أن تخالفوه فيما أمركم ، وفيما نهاكم ، فيحل بكم من عقوبته ما لا قبل لكم به . ثم وصف تعالى ذكره نفسه بأنه المتوحد بخلق جميع الأنام من شخص واحد ، وعرف عباده كيف كان مبتدأ إنشائه ذلك من النفس الواحدة ، ومنبههم بذلك على أن جميعهم بنو رجل واحد وأم واحدة ، وأن بعضهم من بعض ، وأن حق بعضهم على بعض واجب وجوب حق الأخ على أخيه ، لاجتماعهم في النسب إلى أب واحد وأم واحدة . وأن الذي يلزمهم من رعاية بعضهم حق بعض ، وإن بعد التلاقي في النسب إلى الأب الجامع بينهم ، مثل الذي يلزمهم من ذلك في النسب الأدنى . وعاطفا بذلك بعضهم على بعض ، ليتنا صفوا ، ولا يتظالموا ، وليبذل القوي من نفسه للضعيف حقه بالمعروف ، على ما ألزمه الله