تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
شبل عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ
من اليهود والنصارى ، وهم مسلمة أهل الكتاب . وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله مجاهد ، وذلك أن الله جل ثناؤه عم بقوله :
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ
أهل الكتاب جميعا ، فلم يخصص منهم النصارى دون اليهود ، ولا اليهود دون النصارى ، وإنما أخبر أن من أهل الكتاب من يؤمن بالله ، وكلا الفريقين ، أعني اليهود والنصارى ، من أهل الكتاب . فإن قال قائل : فما أنت قائل في الخبر الذي رويت عن جابر وغيره أنها نزلت في النجاشي وأصحابه ؟ قيل : ذلك خبر في إسناده نظر ، ولو كان صحيحا لا شك فيه لم يكن لما قلنا في معنى الآية بخلاف ، وذلك أن جابرا ومن قال بقوله إنما قالوا : نزلت في النجاشي ، وقد تنزل الآية في الشيء ثم يعم بها كل من كان في معناه . فالآية وإن كانت نزلت في النجاشي ، فإن الله تبارك وتعالى قد جعل الحكم الذي حكم به للنجاشي حكما لجميع عباده الذين هم بصفة النجاشي في اتباعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والتصديق بما جاءهم به من عند الله ، بعد الذي كانوا عليه قبل ذلك من اتباع أمر الله فيما أمر به عباده في الكتابين : التوراة والإنجيل . فإذ كان ذلك كذلك ، فتأويل الآية : وإن من أهل الكتاب التوراة والإنجيل لمن يؤمن بالله ، فيقر بوحدانيته ، وما أنزل إليكم أيها المؤمنون ، يقول : وما أنزل إليكم من كتابه ووحيه ، على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، وما أنزل إليهم ، يعني : وما أنزل على أهل الكتاب من الكتب ، وذلك التوراة والإنجيل والزبور ، خاشعين لله ، يعني : خاضعين لله بالطاعة ، مستكينين له بها متذللين . كما : حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني ابن زيد في قوله :
خاشِعِينَ لِلَّهِ
قال : الخاشع : المتذلل لله الخائف . ونصب قوله :
خاشِعِينَ لِلَّهِ
على الحال من قوله :
لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وهو حال مما في " يؤمن " من ذكر " من " .
لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا
يقول : لا يحرفون ما أنزل إليهم في كتبه من نعت محمد صلى الله عليه وسلم فيبدلونه ، ولا غير ذلك من أحكامه وحججه فيه ، لعرض من الدنيا خسيس ، يعطونه على ذلك التبديل ، وابتغاء الرياسة على الجهال ، ولكن ينقادون للحق ، فيعملون بما أمرهم الله به ، فيما أنزل إليهم من كتبه ، وينتهون عما نهاهم عنه فيها ، ويؤثرون أمر الله تعالى على هوى أنفسهم . القول في تأويل قوله :
أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ
يعني بقوله جل ثناؤه :
أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ
هؤلاء الذين يؤمنون بالله ، وما أنزل إليكم ، وما أنزل إليهم ، لهم أجرهم عند ربهم ؛ يعني : لهم عوض أعمالهم التي عملوها ، وثواب طاعتهم ربهم فيما أطاعوه فيه عند ربهم ، يعني : مذخور ذلك لهم لديه ، حتى يصيروا إليه في القيامة ، فيوفيهم ذلك
إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ
وسرعة حسابه تعالى ذكره ، أنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم قبل أن يعملوها ، وبعد ما عملوها ، فلا حاجة به إلى إحصاء عدد ذلك ، فيقع في الإحصاء إبطاء ، فلذلك قال :
إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ
القول في تأويل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معنى ذلك : اصبروا على دينكم ، وصابروا الكفار ورابطوهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا المثنى ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن المبارك بن فضالة ، عن الحسن أنه سمعه يقول في قول الله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا
قال : أمرهم أن يصبروا على دينهم ، ولا يدعوه لشدة ولا رخاء ، ولا سراء ولا ضراء ، وأمرهم أن يصابروا الكفار ، وأن يرابطوا المشركين . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 147 | محمد بن جرير الطبري