قوله :
وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ
فلا يحل لأَحد أن يكتم شهادة كتمان الشهادة هي عنده ، وإن كانت على نفسه والوالدين ، ومن يكتمها فقد ركب إثما عظيما . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله :
وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ
يقول : فاجر قلبه . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قال : أكبر الكبائر الإِشراك بالله ، لأَن الله يقول :
إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ
وشهادة الزور ، وكتمان الشهادة ، لأَن الله عز وجل يقول :
وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ
وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقول : على الشاهد أن يشهد حيثما استشهد ويخبر بها حيث استخبر . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن محمد بن مسلم ، قال : أخبرنا عمرو بن دينار ، عن ابن عباس ، قال : إذا كانت عندك شهادة فسألك عنها ، فأخبره بها ، ولا تقل : أخبر بها عند الأَمير ؛ أخبره بها لعله يراجع أو يرعوي كتمان الشهادة . وأما قوله :
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
فإنه يعني بما تعملون في شهادتكم من إقامتها والقيام بها أو كتمانكم إياها عند حاجة من استشهدكم إليها ، وبغير ذلك من سرائر أعمالكم وعلانيتها ،
عَلِيمٌ
يحصيه عليكم ليجزيكم بذلك كله جزاءكم ، إما خيرا ، وإما شرا على قدر استحقاقكم . القول في تأويل قوله تعالى :
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ
يعني جل ثناؤه بقوله :
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
لله ملك كل ما في السماوات وما في الأَرض من صغير وكبير ، وإليه تدبير جميعه ، وبيده صرفه وتقليبه ، لا يخفى عليه منه شيء ، لأَنه مدبره ومالكه ومصرفه . وإنما عنى بذلك جل ثناؤه : كتمان الشهود الشهادة ، يقول : لا تكتموا الشهادة أيها الشهود ، ومن يكتمها يفجر قلبه ، ولن يخفى علي كتمانه ، وذلك لأَني بكل شيء عليم ، وبيدي صرف كل شيء في السماوات والأَرض وملكه ، أعلمه خفي ذلك وجليه ، فاتقوا عقابي إياكم على كتمانكم الشهادة . وعيدا من الله بذلك من كتمها وتخويفا منه له به . ثم أخبرهم عما هو فاعل بهم في آخرتهم ، وبمن كان من نظرائهم ممن انطوى كشحا على معصية فأضمرها ، أو أظهر موبقة فأبداها من نفسه من المحاسبة عليها ، فقال :
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
يقول : وإن تظهروا فيما عندكم من الشهادة على حق رب المال الجحود والإِنكار ، أو تخفوا ذلك فتضمروه في أنفسكم وغير ذلك من سيئ أعمالكم ،
يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
يعني بذلك : يحتسب به عليكم من أعماله ، فيجازي من شاء منكم من المسيئين بسوء عمله ، وغافر منكم لمن شاء من المسيئين . ثم اختلف أهل التأويل فيما عنى بقوله :
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
فقال بعضهم بما قلنا من أنه عنى به الشهود في كتمانهم الشهادة ، وأنه لاحق بهم كل من كان من نظرائهم ممن أضمر معصية أو أبداها . ذكر من قال ذلك : حدثني أبو زائدة زكريا بن يحيى بن أبي زائدة ، قال : ثنا أبو نفيل ، عن يزيد ابن أبي زياد ، عن مجاهد ، عن ابن عباس في قوله :
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
يقول : يعني في الشهادة . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن مقسم ، عن ابن عباس في قوله :
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
قال : في الشهادة .
حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا عبد الأَعلى ، قال : سئل داود عن قوله :
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
فحدثنا عن عكرمة ، قال : هي الشهادة إذا كتمتها . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن عمرو وأبي سعيد أنه سمع عكرمة يقول في هذه الآية :
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
قال : في الشهادة . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن السدي ، عن الشعبي في