فيضاره بذلك ، وهو يجد غيره ، فأنزل الله عز وجل
وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ
حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه طاوس :
وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ
مضارة الكاتب والشهيد يقول : إن لي حاجة فدعني فيقول : اكتب لي . " ولا شهيد " كذلك . وأولى الأَقوال في ذلك بالصواب قول من قال : معنى ذلك : ولايضار كاتب ولا شهيد مضارة الكاتب والشهيد ، بمعنى : ولا يضارهما من استكتب هذا أو استشهد هذا بأن يأبى على هذا إلا أن يكتب له وهو مشغول بأمر نفسه ، ويأبى على هذا إلا أن يجيب إلى الشهادة وهو غير فارغ ، على ما قاله قائلوا ذلك من القول الذي ذكرنا قبل . وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب من غيره ، لأَن الخطاب من الله عز وجل في هذه الآية من مبتدئها إلى انقضائها على وجه افعلوا أو لا تفعلوا ، إنما هو خطاب لأَهل الحقوق والمكتوب بينهم الكتاب والمشهود لهم أو عليهم بالذي تداينوه بينهم من الديون . فأما ما كان من أمر أو نهي فيها لغيرهم ، فإنما هو على وجه الأَمر والنهي للغائب غير المخاطب كقوله :
وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ
وكقوله :
وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا
وما أشبه ذلك ، فالواجب إذا كان المأمورون فيها مخاطبين بقوله :
وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ
أشبه منه بأن يكون مردودا على الكاتب والشهيد ، ومع ذلك إن الكاتب والشهيد لو كانا هما المنهيين عن الضرار لقيل : وإن يفعلا فإنه فسوق بهما ، لأَنهما اثنان ، وإنما غير مخاطبين بقوله :
وَلا يُضَارَّ
بل النهي بقوله :
وَلا يُضَارَّ
نهي للغائب غير المخاطب . فتوجيه الكلام إلى ما كان نظيرا لما في سياق الآية ، أولى من توجيهه إلى ما كان منعدلا عنه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ
يعني بذلك جل ثناؤه : مضارة الكاتب والشهيد وإن تضاروا الكاتب أو الشاهد وما نهيتم عنه من ذلك ، فإنه فسوق بكم ، يعني إثم بكم ومعصية .
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم بنحو الذي قلنا . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك :
وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ
مضارة الكاتب والشهيد يقول :
إن تفعلوا غير الذي آمركم به ، فإنه فسوق بكم . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثنا معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس :
وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ
الفسوق : المعصية . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع :
وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ
الفسوق : العصيان . وقال آخرون :
معنى ذلك : وإن يضار كاتب فيكتب غير الذي أملى المملي ، ويضار شهيد فيحول شهادته ويغيرها مضارة الكاتب والشهيد ، فإنه فسوق بكم ، يعني فإنه كذب . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد :
وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ
الفسوق : الكذب مضارة الكاتب والشهيد . قال : هذا فسوق لأَنه كذب الكاتب فحول كتابه فكذب ، وكذب الشاهد فحول شهادته ، فأخبرهم الله أنه كذب . وقد دللنا فيما مضى على أن المعني بقوله :
وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ
إنما معناه : لا يضارهما المستكتب والمستشهد ، بما فيه الكفاية . فقوله :
وَإِنْ تَفْعَلُوا
إنما هو إخبار من يضارهما بحكمه فيهما ، وأن من يضارهما فقد عصى ربه وأثم به ، وركب ما لا يحل له ، وخرج عن طاعة ربه في ذلك . القول في تأويل قوله تعالى :
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
يعني بقوله جل ثناؤه :
وَاتَّقُوا اللَّهَ
وخافوا الله أيها المتداينون في الكتاب والشهود أن تضاروهم ، وفي غير ذلك من حدود الله أن تضيعوه . ويعني بقوله :
وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ
ويبين لكم الواجب لكم وعليكم ، فاعملوا به .
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
يعني