وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر ، فأنزل الله بعدها :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
إلى آخر السورة . قال ابن عباس : فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها ، وصار الأَمر إلى أن قضى الله عز وجل :
أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، قال : سمعت الزهري يقول في قوله :
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
قال : قرأها ابن عمر ، فبكى وقال : إنا لمؤاخذون بما نحدث به أنفسنا فبكى حتى سمع نشيجه ، فقام رجل من عنده ، فأتى ابن عباس ، فذكر ذلك له ، فقال : رحم الله ابن عمر لقد وجد المسلمون نحوا مما وجد ، حتى نزلت :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرزاق ، عن جعفر بن سليمان ، عن حميد الأَعرج ، عن مجاهد قال : كنت عند ابن عمر فقال :
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
الآية . فبكى فدخلت على ابن عباس ، فذكرت له ذلك ، فضحك ابن عباس فقال : يرحم الله ابن عمر ، أو ما يدري فيم أنزلت ؟ إن هذه الآية حين أنزلت غمت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غما شديدا ، وقالوا : يا رسول الله هلكنا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قولوا سمعنا وأطعنا " ، فنسختها :
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ
إلى قوله :
وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
فتجوز لهم من حديث النفس ، وأخذوا بالأَعمال . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا يزيد بن هارون ، عن سفيان بن حسين ، عن الزهري ، عن سالم أن أباه قرأ :
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
فدمعت عينه . فبلغ صنيعه ابن عباس ، فقال : يرحم الله أبا عبد الرحمن لقد صنع كما صنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت ، فنسختها الآية التي بعدها :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
حدثنا محمد بن بشار ، قال أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، قال :
نسخت هذه الآية :
إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن آدم بن سليمان ، عن سعيد بن جبير ، قال : لما نزلت هذه الآية :
إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
قالوا : أنؤاخذ بما حدثنا به أنفسنا ولم تعمل به جوارحنا ؟ قال : فنزلت هذه الآية :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا
قال : ويقول : قد فعلت .
قال : فأعطيت هذه الأَمة خواتيم سورة البقرة ، لم تعطها الأَمم قبلها . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا جابر بن نوح ، قال : ثنا إسماعيل ، عن عامر :
إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ
قال : فنسختها الآية بعدها قوله :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن الشعبي :
إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
قال : نسختها الآية التي بعدها :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
وقوله :
وَإِنْ تُبْدُوا
قال : يحاسب بما أبدى من سر أو أخفى من سر ، فنسختها التي بعدها . حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا سيار ، عن الشعبي ، قال :
لما نزلت هذه الآية :
إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ
قال :
فكان فيها شدة حتى نزلت هذه الآية التي بعدها :
لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
قال : فنسخت ما كان قبلها .
حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن ابن عون ، قال : ذكروا عند الشعبي :
إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
حتى بلغ :
لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
قال : فقال الشعبي : إلى هذا صار ، رجعت إلى آخر الآية . حدثني يحيى بن أبي طالب ، قال : أخبرنا يزيد ، قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك في قوله :
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
قال :