قرأه :
فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ
لأَن ذلك الجمع المعروف لما كان من اسم على فعل ، كما يقال حبل وحبال وكعب وكعاب ، ونحو ذلك من الأَسماء . فأما جمع الفعل على الفعل أو الفعل فشاذ قليل إنما جاء في أحرف يسيرة ، وقيل سقف وسقف وسقف ، وقلب وقلب وقلب من قلب النخل ، وجد وجد . للجد الذي هو بمعنى الحظ .
وأما ما جاء من جمع فعل على فعل فثط وثط ، وورد وورد ، وخود وخود . وإنما دعا الذي قرأ ذلك : " فرهن مقبوضة " إلى قراءته فيما أظن كذلك مع شذوذه في جمع فعل ، أنه وجد الرهان مستعملة في رهان الخيل ، فأحب صرف ذلك عن اللفظ الملتبس برهان الخيل ، الذي هو بغير معنى الرهان ، الذي هو جمع رهن ، ووجد الرهن مقولا في جمع رهن ، كما قال قعنب :
بانت سعاد وأمسى دونها عدن * وغلقت عندها من قلبك الرهن
القول في تأويل قوله تعالى :
فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ
الرهن يعني بذلك جل ثناؤه : فإن كان المدين أمينا عند رب المال والدين فلم يرتهن منه في سفره رهنا بدينه لأَمانته عنده على ماله وثقته ، فليتق الله المدين ربه ، يقول : فليخف الله ربه في الذي عليه من دين صاحبه أن يجحده ، أو يلط دونه ، أو يحاول الذهاب به ، فيتعرض من عقوبة الله ما لا قبل له به ، وليؤد دينه الذي ائتمنه عليه إليه . وقد ذكرنا قول من قال هذا الحكم من الله عز وجل ناسخ الأَحكام التي في الآية قبلها من أمر الله عز وجل بالشهود والكتاب ، وقد دللنا على أولى ذلك بالصواب من القول فيه فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع . وقد : حدثني يحيى بن أبي طالب ، قال : أخبرنا يزيد ، قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك في قوله :
فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ
إنما يعني بذلك في السفر ، فأما الحضر فلا وهو واحد كاتبا ، فليس له أن يرتهن ولا يأمن بعضهم بعضا الرهن .
وهذا الذي قاله الضحاك ، من أنه ليس لرب الدين ائتمان المدين وهو واجد إلى الكاتب والكتاب والإِشهاد عليه سبيلا وإن كانا في سفر ، فكما قال لما قد دللنا على صحته فيما مضى قبل . وأما ما قاله من الأَمر في الرهن أيضا كذلك مثل الائتمان في أنه ليس لرب الحق الارتهان بماله إذا وجد إلى الكاتب والشهيد سبيلا في حضر أو سفر فإنه قول لا معنى له لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه : " اشترى طعاما نساء ، ورهن به درعا له " الرهن . فجائز للرجل أن يرهن بما عليه ، ويرتهن بماله من حق في السفر والحضر ، لصحة الخبر بما ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن معلوما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن حين رهن من ذكرنا غير واجد كاتبا ولا شهيدا ، لأَنه لم يكن متعذرا عليه بمدينته في وقت من الأَوقات الكاتب والشاهد ، غير أنهما إذا تبايعا برهن ، فالواجب عليهما إذا وجدا سبيلا إلى كاتب وشهيد ، وكان البيع أو الدين إلى أجل مسمى أن يكتبا ذلك ويشهدا على المال والرهن ، وإنما يجوز ترك الكاتب والإِشهاد في ذلك حيث لا يكون لهما إلى ذلك سبيل . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ
وهذا خطاب من الله عز وجل للشهود الذين أمر المستدين ورب المال بإشهادهم ، فقال لهم : ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ، ولا تكتموا أيها الشهود بعد ما شهدتم شهادتكم عند الحكام ، كما شهدتم على ما شهدتم عليه ؛ ولكن أجيبوا من شهدتم له إذا دعاكم لإِقامة شهادتكم على خصمه على حقه عند الحاكم الذي يأخذ له بحقه . ثم أخبر الشاهد جل ثناؤه ما عليه في كتمان الشهادة شهادته وإبائه من أدائها والقيام بها عند حاجة المستشهد إلى قيامه بها عند حاكم ، أو ذي سلطان ، فقال :
وَمَنْ يَكْتُمْها
يعني ومن يكتم شهادته ،
فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ
يقول : فاجر قلبه ، مكتسب بكتمانه إياها معصية الله . كما : حدثني المثنى ، قال : أخبرنا إسحاق قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في