تَوْبَتُهُمْ
من ذنوبهم ، وهم على الكفر مقيمون . ذكر من قال ذلك : حدثنا المثنى ، قال : ثنا عبد الوهاب ، قال : ثنا داود ، عن رفيع :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً
ازدادوا ذنوبا وهم كفار ، ف
لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ
من تلك الذنوب ما كانوا على كفرهم وضلالتهم . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن داود ، قال : سألت أبا العالية ، قال : قلت :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ
قال : إنما هم هؤلاء النصارى واليهود الذين كفروا ثم ازدادوا كفرا بذنوب أصابوها ، فهم يتوبون منها في كفرهم . حدثنا عبد الحميد بن بيان اليشكري ، قال : أخبرنا ابن أبي عدي ، عن داود ، قال : سألت أبا العالية عن الذين آمنوا ثم كفروا ، فذكر نحوا منه . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا عبد الأعلى ، قال : ثنا داود ، قال : سألت أبا العالية عن هذه الآية :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ
قال : هم اليهود والنصارى والمجوس ، أصابوا ذنوبا في كفرهم فأرادوا أن يتوبوا منها ، ولن يتوبوا من الكفر ، ألا ترى أنه يقول :
وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ
حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا سفيان ، عن داود ، عن أبي العالية في قوله :
لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ
قال : تابوا من بعض ، ولم يتوبوا من الأصل . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن داود بن أبي هند ، عن أبي العالية ، قوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً
قال : هم اليهود والنصارى يصيبون الذنوب فيقولون نتوب وهم مشركون ، قال الله عز وجل : لن تقبل التوبة في الضلالة . وقال آخرون : بل معنى ذلك : إن الذين كفروا بعد إيمانهم بأنبيائهم ، ثم ازدادوا كفرا ، يعني بزيادتهم الكفر : تمامهم عليه حتى هلكوا وهم عليه مقيمون ، لن تقبل توبتهم : لن تنفعهم توبتهم الأولى ، وإيمانهم لكفرهم الآخر وموتهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة ، قوله :
ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً
قال : تموا على كفرهم . قال ابن جريج :
لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ
يقول : إيمانهم أول مرة لن ينفعهم . وقال آخرون : معنى قوله :
ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً
ماتوا كفارا ، فكان ذلك هو زيادتهم من كفرهم . وقالوا : معنى
لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ
لن تقبل توبتهم عند موتهم ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ
أما ازدادوا كفرا : فماتوا وهم كفار ، وأما لن تقبل توبتهم : فعند موته إذا تاب لم تقبل توبته . قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل هذه الآية قول من قال : عنى بها اليهود ، وأن يكون تأويله : إن الذين كفروا من اليهود بمحمد صلى الله عليه وسلم عند مبعثه بعد إيمانهم به قبل مبعثه ، ثم ازدادوا كفرا بما أصابوا من الذنوب في كفرهم ومقامهم على ضلالتهم ، لن تقبل توبتهم من ذنوبهم التي أصابوها في كفرهم ، حتى يتوبوا من كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ويراجعوا التوبة منه بتصديق ما جاء به من عند الله . وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في هذه الآية بالصواب ، لأن الآيات قبلها وبعدها فيهم نزلت ، فأولى أن تكون هي في معنى ما قبلها وبعدها إذ كانت في سياق واحد . وإنما قلنا : معنى ازديادهم الكفر ما أصابوا في كفرهم من المعاصي ، لأنه جل ثناؤه قال :
لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ
فكان معلوما أن معنى قوله :
لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ
إنما هو معني به : لن تقبل توبتهم مما ازدادوا من الكفر على كفرهم بعد إيمانهم ، لا من كفرهم ، لأن الله تعالى ذكره وعد أن يقبل التوبة من عباده ، فقال :
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ
فمحال أن يقول عز وجل أقبل ، ولا أقبل في شيء واحد . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان من حكم الله في عباده أنه قابل توبة كل تائب من كل ذنب ، وكان الكفر بعد الإيمان أحد تلك الذنوب التي وعد قبول التوبة منها بقوله :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
علم أن المعنى الذي لا تقبل التوبة منه ، غير المعنى الذي تقبل التوبة منه .
وإذ كان ذلك كذلك ، فالذي لا تقبل منه التوبة هو الازدياد على الكفر بعد الكفر ، لا يقبل الله توبة صاحبه