عليه وسلم ثم ارتد وهو حي عن إسلامه ، فيكون معنيا بالآية جميع هذين الصنفين وغيرهما ممن كان بمثل معناهما ، بل ذلك كذلك إن شاء الله . فتأويل الآية إذا :
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ
يعني :
كيف يرشد الله للصواب ، ويوفق للإيمان ، قوما جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، بعد إيمانهم : أي بعد تصديقهم إياه ، وإقرارهم بما جاءهم به من عند ربه .
وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ
يقول : وبعد أن أقروا أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خلقه حقا .
وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ
يعني : وجاءهم الحجج من عند الله ، والدلائل بصحة ذلك .
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
يقول : والله لا يوفق للحق والصواب الجماعة الظلمة ، وهم الذين بدلوا الحق إلى الباطل ، فاختاروا الكفر على الإيمان . وقد دللنا فيما مضى قبل على معنى الظلم ، وأنه وضع الشيء في غير موضعه بما أغنى عن إعادته .
أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ
يعني : هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم ، وبعد أن شهدوا أن الرسول حق ،
جَزاؤُهُمْ
ثوابهم من عملهم الذي عملوه .
أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ
يعني أن حل بهم من الله الإقصاء والبعد ، ومن الملائكة والناس إلا مما يسوءهم من العقاب
أَجْمَعِينَ
يعني من جميعهم : لا بعض من سماه جل ثناؤه من الملائكة والناس ، ولكن من جميعهم ، وإنما جعل ذلك جل ثناؤه ثواب عملهم ، لأن عملهم كان بالله كفرا . وقد بينا صفة لعنة الناس الكافر في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته .
خالِدِينَ فِيها
يعني : ماكثين فيها ، يعني : في عقوبة الله .
لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ
لا ينقصون من العذاب شيئا في حال من الأحوال ولا ينفسون فيه .
وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
يعني : ولا هم ينظرون لمعذرة يعتذرون ، وذلك كله :
أعني الخلود في العقوبة في الآخرة . ثم استثنى جل ثناؤه الذين تابوا من هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم ، فقال تعالى ذكره :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا
يعني : إلا الذين تابوا من بعد ارتدادهم عن إيمانهم ، فراجعوا الإيمان بالله وبرسوله ، وصدقوا بما جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم من عند ربهم .
وَأَصْلَحُوا
يعني : وعملوا الصالحات من الأعمال .
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
يعني فإن الله لمن فعل ذلك بعد كفره
غَفُورٌ
يعني : ساتر عليه ذنبه الذي كان منه من الردة ، فتارك عقوبته عليه ، وفضيحته به يوم القيامة ، غير مؤاخذه به إذا مات على التوبة منه ، رحيم متعطف عليه بالرحمة . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : عنى الله عز وجل بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
أي ببعض أنبيائه الذين بعثوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم .
ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً
بكفرهم بمحمد .
لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ
عند حضور الموت وحشرجته بنفسه . ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سنان ، قال : ثنا أبو بكر الحنفي ، قال : ثنا عباد بن منصور ، عن الحسن في قوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ
قال : اليهود والنصارى لن تقبل توبتهم عند الموت . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً
أولئك أعداء الله اليهود ، كفروا بالإنجيل وبعيسى ، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله :
ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً
قال : ازدادوا كفرا حتى حضرهم الموت ، فلم تقبل توبتهم حين حضرهم الموت . قال معمر : وقال مثل ذلك عطاء الخراساني . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن قتادة ، قوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ
وقال : هم اليهود كفروا بالإنجيل ، ثم ازدادوا كفرا حين بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ، فأنكروه ، وكذبوا به . وقال آخرون : معنى ذلك : إن الذين كفروا من أهل الكتاب بمحمد بعد إيمانهم بأنبيائهم ،
ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً
يعني ذنوبا ،
لَنْ تُقْبَلَ