مع ذلك بالذي أنزل الله على موسى وعيسى من الكتب والوحي ، وبما أنزل على النبيين من عنده . والذي آتى الله موسى وعيسى ، مما أمر الله عز وجل محمدا بتصديقهما فيه والإيمان به التوراة التي آتاها موسى ، والإنجيل الذي أتاه عيسى .
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ
يقول : لا نصدق بعضهم ونكذب بعضهم ، ولا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم ، كما كفرت اليهود والنصارى ببعض أنبياء الله ، وصدقت بعضا ، ولكنا نؤمن بجميعهم ، ونصدقهم .
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
يعني : ونحن ندين لله بالإسلام ، لا ندين غيره ، بل نتبرأ إليه من كل دين سواه ، ومن كل ملة غيره .
ويعني بقوله :
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
ونحن له منقادون بالطاعة ، متذللون بالعبودية ، مقرون له بالألوهة والربوبية ، وأنه لا إله غيره . وقد ذكرنا الرواية بمعنى ما قلنا في ذلك فيما مضى وكرهنا إعادته . القول في تأويل قوله تعالى :
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ
يعني بذلك جل ثناؤه : ومن يطلب دينا غير دين الإسلام ليدين به ، فلن يقبل الله منه ،
وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ
، يقول : من الباخسين أنفسهم حظوظها من رحمة الله عز وجل . وذكر أن أهل كل ملة ادعوا أنهم هم المسلمون لما نزلت هذه الآية ، فأمرهم الله بالحج إن كانوا صادقين ، لأن من سنة الإسلام الحج ، فامتنعوا ، فأدحض الله بذلك حجتهم .
ذكر الخبر بذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح قال : زعم عكرمة :
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً
فقالت الملل : نحن المسلمون ، فأنزل الله عز وجل :
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
فحج المسلمون ، وقعد الكفار . حدثنا المثنى ، قال : ثنا القعنبي ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن عكرمة ، قال :
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ
قالت اليهود : فنحن المسلمون ، فأنزل الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم يحجهم أن
لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
حدثني يونس ، قال : أخبرنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن عكرمة ، قال : لما نزلت :
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً
إلى آخر الآية ، قالت اليهود : فنحن مسلمون ، قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم : قل لهم : إن
لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ
من أهل الملل
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
وقال آخرون في هذه الآية بما : حدثنا به المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال :
ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
إلى قوله :
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
فأنزل الله عز وجل بعد هذا :
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ
القول في تأويل قوله تعالى :
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ
. . . وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
. . . غَفُورٌ رَحِيمٌ
اختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية ، وفيمن نزلت ، فقال بعضهم : نزلت في الحارث بن سويد الأنصاري ، وكان مسلما ، فارتد بعد إسلامه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع البصري ، قال :
ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كان رجل من الأنصار أسلم ، ثم ارتد ولحق بالشرك ، ثم ندم ، فأرسل إلى قومه : أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل لي من توبة ؟ قال :
فنزلت :
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ
إلى قوله :
وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
. . . إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
فأرسل إليه قومه ، فأسلم . حدثني ابن المثنى ، قال : ثني عبد الأعلى ، قال : ثنا داود ، عن عكرمة بنحوه ، ولم يرفعه إلى ابن عباس ، إلا أنه قال : فكتب إليه قومه ، فقال : ما كذبني قومي ، فرجع . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا حكيم بن جميع ، عن علي بن مسهر ، عن داود بن